العدد 4355
الأربعاء 16 سبتمبر 2020
ريشة في الهواء أحمد جمعة
عندما نقرأ ولا نقرأ!
الأربعاء 16 سبتمبر 2020

رغم تنشيط الكتابة والتأليف بالساحة الخليجية بشكل خاص والعربية بشكل عام، إلا أن القراءة والنقد بحالة كسل وخمول، وكأني بجسم إنسان مريض ومن الخارج صحي، لا تعكس حركة التأليف والنشر وحالة الكتابة والنقد المتراخية، وببعض التخوم ميتة سريريًا، رواية بحجم خيالي كرواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ التي حصدت جائزة نوبل وترجمت لكلِّ لغات العالم النشطة، بركنٍ مختلف من العالم رائجة ومتداولة بين أيدي القراء بالملايين.. بأرض العرب اليابسة، لا يتجاوز قراؤها بضعة آلاف، وسيكون محفوظ محظوظًا بقبرهِ إن بلغه ذلك، ففي حياته لم يحظ بهذا الطالع، كأن النحس يطارد الرواية العربية حتى لو حظيت بنوبل، فالأصل بهذه الأمكنة المحاطة بالكسل الثقافي أن يكون نصيب القراءة محصورا بخانة المئات والمحظوظ بنوبل سيتخطى للآلاف.

عدد قراء محفوظ بدولة أوروبية واحدة تخطى عدد قراء العالم العربي بأسره، وهذا النحس الذي طارد كاتبا بحجم محفوظ ماذا تنتظر منه إلا أن يلاحق كل من فكر وتجرأ وانجرف وكتب رواية، وإذا كان هذا النحس وراءه القراء الذين اختاروا مرغمين كتب الشعوذة والسحر وعذاب القبر والأبراج وكتيبات المعجنات، فما مبرر وحجة النقاد الذين اختطفوا من قبل غزاة فضائيين ليحجبوا الرواية عن أقلامهم؟!

ابحث عن السبب وسترى أنه ليست الثقافة والأدب وحدهما المصابان بالنحس، فالعلوم والمعارف وتكنولوجيا المعلومات، والهندسة الوراثية، كلها تعاني من هذا النحس، الذي لا مبرر له سوى أن غزاة الكواكب الأخرى غاروا من عالمنا العربي واختطفوا منا القراء والنقاد والعلماء وتركوا لنا صحراء قاحلة! لا تنبتُ فيها سوى ناطحات السحاب التي تعلن عن حضارة عصرية تسابق إيقاع الزمن ولكنها تفتقد القراء والنقاد والوعي، صحيح أننا نقرأ... لكننا هل نقرأ حقًا؟!

عندما تزعم أمة أنها برأس هرم الأمم المستنيرة، يستدعي ذلك أن تجد الكتاب والنقاد والقراء، أول علامات هذه الحضارة، خذ مثالاً الهند التي رغم فقر بعض سكانها، لكنها الدولة الأولى بالقراءة وعدد المكتبات ودور النشر والنقاد وحركة الفكر وحيوية الجدل وليس الجفاف القسري بالثقافة رغم الإمكانيات والثراء والرخاء، لكن الواقع لا يقدم سوى مؤسسات رسمية يتولاها موظفون عموميون نصفهم مهمتهم الرقابة على المطبوعات.

تقدم الثقافة يعتمد على مثلث، الكاتب والقارئ والناقد، هنا على الخريطة العربية والخليجية يوجد كتاب ولكن أصاب النحس القراء وانخسف النقاد، لذلك وحده الكتاب يسبح بالفضاء بحالةِ انعدام الوزن.

 

تنويرة:

إن عالما فيه علماء الدين أكثر من المتدينين، ماذا تنتظر منه سوى فقدان البوصلة؟.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية