العدد 4358
السبت 19 سبتمبر 2020
“في بيتنا سي السيد”
السبت 19 سبتمبر 2020

من قرأوا ثلاثية نجيب محفوظ لا شك أنهم تعرفوا عن قرب على بطل الرواية أحمد عبدالجواد أو “سي السيد”، ورغم أن نجيب محفوظ يؤكد أنّ شخصية “سي السيد” من نسج الخيال، لكن كثيرين يجزمون بأنّها شخصية واقعية تعيش في غالبية الأسر وتمارس تسلطها وجبروتها على المرأة/الزوجة، وكما في الرواية “أمينة” الزوجة المطيعة المنفذة لطلبات سي السيد دون إبداء أي شكل من الاعتراض أو حتى التبرم.

الذي هو مؤكد بنسبة كبيرة جدا أنّ ما تقوم به الزوجة من مهمات بيتية يمثل النسبة الأكبر، بيد أنّ التساؤل هنا ما هو دور الرجل؟ نستطيع القول إن دوره يمثل غيابا شبه كامل، وحتى أثناء تواجده فإنّه الحاضر الغائب، أي لا يمارس أي دور يذكر.

لنتخيل لو أنّ أحد هؤلاء الذين تتطابق شخصياتهم مع سي السيد مارس ما تقوم به المرأة من مهمات تنفذها بكل رضا وصبر، ولو ليوم واحد فقط، هل بوسعه النهوض بكل هذه الأعباء دون ضجر؟ الإجابة القاطعة بالنفي. المفارقة أنّ كل الجهد من ربة البيت كالغسيل والطهي وتربية الأطفال وغيرها للأسف لا يقابل من الزوج سي السيد بما يجب من كلمات شكر وامتنان كما يفترض تخفف عنها ما تكابده من عناء، وهذا بالطبع يمثل جحودا ونكرانا للجميل، نستثني قلة تتسم معاملتهم بالطابع الإنساني والحضاري.

أتذكر بين القصص النادرة التي تفيض إنسانية وعرفانا بالجميل كما يرويها الابن أن والده عاد من عمله بعد يوم شاق ووضعت الزوجة أمامه الطعام، وكان بينه خبزا محمصا لكن الخبز كان محروقا تماما، فأخذ الزوج قطعة الخبز وابتسم لوالدتي وسألني كيف كان يومي في المدرسة، لا أتذكر بماذا أجبته لكنني أتذكر أنني رأيته يدهن قطعة الخبز بالزبدة والمربى ويأكلها كلها، بعد الغداء سمعت أمي تعتذر لأبي عن حرقها الخبز بيد أنني لن أنسى رد أبي عندما قال: “أنا أحب أحيانا أكل الخبز محمصا زيادة عن اللزوم”، وبعدها سألت أبي إن كان فعلا يحب الخبز محترقا؟ قال لي: “يا بني إن أمك اليوم كان لديها عمل شاق وقد أصابها التعب والإرهاق، وقطعة الخبز المحمصة لن تضر حتى الموت”.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .