العدد 4359
الأحد 20 سبتمبر 2020
د. مصطفى السيد
البطلة السودانية عبير
الأحد 20 سبتمبر 2020

تشرفت برئاسة الوفد الإغاثي المُكلف بإيصال المساعدات الإغاثية والمواد الطبية إلى الأشقاء في جمهورية السودان الشقيقة في الفترة ١٤ - ١٥ سبتمبر ٢٠٢٠ وذلك بتوجيه كريم من سيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه الرئيس الفخري للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، وبقيادة سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس مجلس أمناء المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية؛ للوقوف معهم في محنتهم جراء السيول والفيضانات الأخيرة التي خلفت عددا كبيرا من الموتى والجرحى والدمار، وقد رافقني خلال الزيارة الدكتور وليد المانع وكيل وزارة الصحة وهو صديق حميم شارك معي في العديد من الأعمال الإغاثية التي تم تكليفنا بها من قبل القيادة الرشيدة، وكان آخرها زيارة لبنان.

وقد عبر جميع المسؤولين السودانيين خلال الاجتماعات المتتالية التي عقدناها مع فخامة رئيس المجلس الانتقالي ووزراء الخارجية والصحة والشؤون الاجتماعية عن شكرهم وتقديرهم الكبير جدا لجلالة ملك مملكة البحرين المفدى وللحكومة ولشعب البحرين على وقوفهم مع الشعب السوداني في محنته، في لقاءات سادتها أجواء المودة والمحبة والترحيب والتقدير، حيث دامت تلك الاجتماعات فترات طويلة وكما تم عقد مؤتمر صحافي لإيضاح الدور البحريني الإنساني في هذه الكارثة.

وخلال الرحلة توجهت مع أخي الدكتور وليد المانع إلى إحدى القرى السودانية على ضفة النيل والمُدمرة بالكامل بسبب كارثة الفيضانات، حيث تركنا السيارات الرسمية وركبنا سيارات تصلح للسير في الشوارع المتأثرة بالفيضانات مثل “سيارات الدفع الرباعي” والرحلة إلى هذه القرية كانت مُتعبة جدًا، وكنت أطلب من السائق التأني لتجنب المطبات وواصلنا الرحلة ونظرًا لهذه الظروف تم تأجيل بعض الاجتماعات اللاحقة بسبب التأخر في العودة لوعورة الطريق وبُعد المسافة.

وصلنا إلى القرية المنكوبة برفقة الوفد وكالات الأنباء التي حرصت على التقاط الصور المعبرة، وذلك في حدود الساعة الثالثة ظهرًا وكانت حرارة الشمس حينها شديدة، ولم نشاهد في بداية وصولنا أعداد كثيرة من المتضررين، وما هي إلا لحظات وأفواج من البشر مقبلين ...مجموعة من الرجال والنساء الذين لا يملكون إلا الملابس التي يرتدونها بسبب الدمار الذي خلفه الفيضان وتسبب في فقدان مساكنهم وجميع ممتلكاتهم، وشاهدت حالة الناس والأطفال الذين كانوا يفترشون الأرض بلا مأوى.

فكرت حينها أنهم يحظون بزيارات عديدة من وفود بعض الدول التي تساعدهم، وقد تعوّدوا على مثل هذا الانضباط والهدوء والأخلاق. سألت المسؤولة التي ترافقنا: “هل سبقنا أي أحد بزيارة هذا الموقع وزيارة المتضررين؟”. قالت: “لا، أنتم أول وفد إغاثي يقوم بزيارتنا من الدول التي تقدم المساعدات للموقع، فلذلك فإن الجميع مشتاق للالتقاء بكم”. فحمدت الله سبحانه وتعالى حينها أن أكرمنا بأن نأخذ زمام المبادرة لنكون الفوج الأول من طلائع المبادرين لتقديم المساعدات، وهذه هي سجية أساسية من سجايا الخير لملك الخير حمد بن عيسى حفظه الله الذي عوّدنا أن يكون من السباقين في كل موقف لتقديم المساعدات الإنسانية الإغاثية لجميع الأشقاء في الدول المتضررة من الكوارث.

لقد كان النازحون يتحدثون معنا بكل ثقة وعزة نفس مع أنهم فقدوا كل ما يملكون. وأخبرناهم بأن مهمتنا نقل تحيات وترحم جلالة الملك والشعب البحريني وإيصال ما نشاهده لجميع وسائل الإعلام وليس للإعلام البحريني فقط لتوصيل احتياجاتهم ومعاناتهم إلى العالم. هؤلاء الرجال الذين أحاطونا من كل مكان وكأنه جيش في أفلام الرومان، كانوا في قمة الهدوء والأريحية والرزانة.

واصلت تفقد القرية المنكوبة واستمعت بعمق وقد شدني حديث كبار السن والنساء الأطفال على السواء، حيث أخذت أسألهم عن همومهم، وأقدم لهم الأمل بالفرج وتمنياتنا لهم بالصحة والعافية وعودة الأمور إلى نصابها بإذن الله. حاورنا الأطفال للتخفيف من حدة التوتر والخوف الذي كان واضحاً على وجوه البعض منهم، ولكنهم بحمد الله تعالى أحسوا باطمئنان كبير بعد الحديث معنا.

واصلت المسير وفجأة رأيت نفسي بعيدًا عن تجمع الإعلاميين والوفد المرافق، حيث أخذت بالمشي لوحدي ولم أكن أعرف إلى أين المسير؟ ولكن المسافة لم تكن بعيدة فهي في حدود 100 قدم خلف صف الأهالي، حيث لمحت امرأة نصف جسمها التحتي مشلول ومقعدة على كرسي متحرك محاطة بأربعة أو خمسة أفراد من أقاربها.. شدني هذا المنظر واقتربت منها وسلّمت وحييتها وبدأت في الحديث معها. أثناء الحديث لمحت ابتسامتها المعبرة المليئة بالتفاؤل بالرغم من عجزها والظروف الحياتية المؤلمة المحيطة بها في ظل هذه الكارثة، ولكنها كانت قوية الشخصية ذات حضور ملائكي، واثقة في كلامها، حيث كانت تجلس بكل شموخ. إنها البطلة السودانية “عبير” تلك الإنسانة المثقفة التي كافحت واجتهدت حتى أكملت دراستها الجامعية، فأخذني الشوق للاسترسال في الحديث معها حيث سألتها: “كيف حدث الفيضان؟ وأين كنتِ حينها؟”. أجابت: “حدث الفيضان في الساعة التاسعة ليلًا، حيث كنت في بيتي وهذه المنطقة بطبيعتها لا توجد فيها الكهرباء، فالظلام الدامس يخيم عليها بشكل طبيعي”. وأردفت قائلة: “أحسست بأن الماء فوقنا ومنازلنا بدأت تتهدم على رؤوسنا، حيث لم أفكر حينها في نفسي، كان همي الأول إنقاذ أمي وأبي لأنهما كبيران في السن، وقد بذلت جهدًا كبيرًا وشاقًا لكي أستطيع إنقاذهما من بين خطر الطوفان المهلك، وبحمد الله وتوفيقه استطعت ذلك وأوصلتهما إلى بر الأمان، وأكملت بعدها مساعدة الآخرين وأنا أحبو حبوا..”.

لقد تأثرت كثيرًا بهذا الموقف المؤثر بالفعل لامرأة مقعدة ومكافحة لم تفكر في إنقاذ نفسها فحسب، بل إنقاذ من تحب. وتذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “حب لأخيك ما تحبه لنفسك”. إنها قصة ملهمة “للبطلة السودانية عبير” التي ضربت مثلًا في الشجاعة، وتحدثت عن حياتها وكفاحها وإرادتها القوية لإتمام دراستها حتى الحصول على شهادة البكالوريوس، وحدثتنا وكانت تعابير وجهها وهي تتحدث تحكي كيف أن الإنسان المثقف يستطيع أن ينقذ حياته وحياة الآخرين بعلمه وهمته وحبه للخير. فعبير لم تمنعها الإعاقة من مواصلة مشوار النجاح والتميز. والشيء الآخر الملفت للنظر أنها نسيت نفسها وأنقذت والديها برا وإحسانا بهما.

الدرس الحقيقي الذي تعلمناه من هذه الزيارة ومن رؤية البطلة عبير، أن نحمد الله تعالى على النعمة التي نحن فيها في مملكتنا البحرين الغالية، وأن نحافظ على أمننا ونعيش في سلام وتعايش حقيقي مع الآخرين، والدرس الآخر أننا تذوقنا المعنى الصحيح للعمل التطوعي، حيث إن الإنسان قد يواجه الكوارث لينقذ الآخرين ويخرج من كل تجربة قاسية أقوى من ذي قبل، وبابتسامة قوية وثقة وإيمان بالله تعالى.

بالفعل إن الشعب السوداني شعب عظيم بإيمانه بالله تعالى وثقته في نفسه، وبإمكانه أن يعيد بناء ما خلفته الفيضانات لقدرته على ذلك.. ونحمد الله تعالى أن أكرمنا بهذه الزيارة.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .