العدد 4361
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020
أعور الشرق... متى يرى بعينيه؟
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020

لطالما كانت نظرةُ الرجل للمرأة جسدية بحتة؛ فهي وإنْ حاربت لنيل حقوقها ومساواتها بالرجل لعقودٍ متعاقبة لمْ تُفلح في تغيير تلك النظرة العوراء التي تعيدُ النساءَ للعصور الحجريةِ من جديد على الرغمِ من كل التقدمِ والتطور الذي يشهدهُ العالمُ على شتى الأصعدة في القرنِ الواحدِ والعشرين؛ فأيُ تقدمٍ هذا إذاً إنْ كان لا يتعدى الآلةَ والعربة، وكيف لمْ يتسللْ بعدُ لأدمغةِ أغلب الرجال الذين لا يرونَ في المرأةِ سوى وجه جميل وتضاريسَ خلابة، لا تصلحُ إلا للسياحةِ والمتعة؟!

ولشديدِ الأسفِ أقول، إنَّ مجتمعاتِنا الشرقيةَ هي مجتمعاتٌ ذكورية بحتة، تُعطي مفاتيحَ السلطةِ للرجل، وتُبقي المرأةَ في الظل مطمورةٌ تحت جناحِ الرجلِ وغطائه، وهو الحال منذ القدم؛ فأين هنَّ الشواعر، ولِمَ لمْ نسمع باسمِ عالمةٍ عربيةٍ اخترعت شيئاً ما ولو صغيراً، وأين هُنَّ الفصيحاتُ من النساء الخطيباتُ في المحافل والساحات، من الذي غيبهنَّ يا ترى؟ لِمَ حتى الآن يحبينَ حَبواً في الحياةِ السياسيةِ ويُشاركنَ على استحياء في العملياتِ الانتخابية، ويْكأنهُ لا تنجحُ دوماً ولا يزدادُ عددُ المقاعد المؤنثة في البرلمانات الشعبيةِ في مجتمعاتنا.

من سوى الرجل الذي سرَّبَ فكرةَ الاستهانة بالمرأةِ وقدراتها وكفاءاتِها، حتى تشرَّبها المجتمعُ بكل مكوناته بمنْ فيهم المرأةُ نفسُها؛ فالمرأةُ حسب هذا المنظور الأعور ضعيفةٌ، قابلةٌ للكسر ولا تمتلكُ عقلاً وديناً كالرجل، ولا تستطيعُ القيامَ بمهمات يُهيمن عليها الذكور، وهي ليستْ أهلاً للثقة، أو لتحملِ المسؤولية؛ فهي مشكوكٌ بقدراتها في الطبِ والسياسةِ والرياضة، وغيرُ لائقٍ بها الولوج في عالمِ السياحةِ والفنِ والشعر والأدب والمسرح، وإنْ كانت ملتزمةً بحدودِ الشرعِ والعُرف، فهل تركَ لها الرجلُ مجالاً للتنفسِ والحياة والشراكةِ الإنسانية في بناءِ المجتمعات التي عانتْ هي من مخاضِها لا هو؟

بذلك نرى أنَّ نظرةَ العظمةِ لدى الرجل التي جعلتهُ يرى المرأةَ ناقصةً في ذاتها، زائدةً في وجودها، تأخذُنا بلمحِ البصر للجاهليةِ الجهلاء التي كانت تسودُ فيها أوجهُ الرجال لحظةَ ميلادِ إناثهم فيئدونَ الرحمةَ والجمال والحبَ وأصل الحياة. ولو أنَّ الرجلَ كاملَ العقل كما يرى نفسه؛ فلينظرْ للمرأةِ نظرةً شاملةً؛ تشملُ كونها إنساناً مؤثراً وفاعلاً يتمتعُ بكل حقوقِ الإنسانيةِ ويضطلعُ بشتى المسؤوليات؛ فهي قادرةٌ على قيادةِ الأمم نحو التغييرِ والتطوير لأنها تمتلكُ مع عاطفتها الجياشة ذكاء فذاً وعقلاً راجحاً تماماً كالرجل وربما أكثر، وليضعْ الأعورُ نظارات تصحيحِ النظر ليرى جيداً أنَّ المرأةَ ليست مجردَ جسدٍ يستبيحهُ حيناً ويُخفيهِ في أحيانٍ أخرى.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية