العدد 4383
الأربعاء 14 أكتوبر 2020
الطيبة قوة... أم سذاجة وغباء؟
الأربعاء 14 أكتوبر 2020

هل ولى زمانُ الطيبين، وهل انقرضوا وبادوا؟ أيجوزُ حقاً أنْ نقول إن الطيبةَ اليوم تُعدُّ سذاجة وإن الطيبين لا يمكنهم العيشُ في هذا الزمان، وهل يجدرُ بنا الترويجُ لمقولةٍ عتيقةٍ تجددت ونالتْ حقها من الدعايةِ والاستحسان مفادها “إِن لمْ تكنْ ذئباً أكلتكَ الذئاب”؟ أبهذا نستطيع الادِّعاءَ بأننا نحيا في عالمٍ مليءٍ بالوحوش البشرية التي لا تُجابهُ إلا بتكشير الأنياب، ثم ندَّعي بعد كل ذلك أننا الحِملانُ الوديعة في قبالة هذه العُسلان؟

من بقيَ من الأخيار إذاً، وهل يستوي الحالُ على وجه هذه الأرض ويعمّ الأمانُ والوئام إذا غاب الطيبون؟ هذه الثقافةُ الدخيلة على الأديان والأعراف التي تسعى إلى توحيشِ الأفراد ونزع الرحمةِ والرقة واللين من قلوبهم تجاهَ بعضهم، بدعوى أنه حريٌ بهم الرد على منْ أساءوا لهم وواجبٌ عليهم أخذ حقوقهم وإنْ بالقوة، تجاوزاً وتعدياً، على الرغم من إمكانية التدرج في المطالبة بالحقوق تمشياً مع القوانين الإلهية والأرضية وتزامناً مع العاداتِ المتبعة أولاً وأخيرا، حتى درجَ عُسلانُ هذا الزمان على نهجِ أساليبَ ضاريةٍ في أخذ الحقوق بقسوة وحلِ المشكلات بصورةٍ دمويةٍ مؤسفة. بدأ ذلك يطفحُ على السطح في السنوات الأخيرة لشديدِ الأسف، ولنكنْ صُرحاء مع بعضنا البعض؛ فقد تجذرتْ أسسُ هذا المبدأ وترسخت بالتربية، حين ظهرت بعضُ الدراسات التربوية القائلة بوجوب تدريب الطفل على آليات دفاع ضد السخريةِ والتنمر والعنصرية، ومنها استخدام القوة والمواجهة في تلك المواقف المختلفة، حتى أنَّ الآباء باتوا يُشجعون أبناءهم على ذلك ويسمونهم سباعا.

ولا نقولُ إنَّ دفاع الأبناء أو الأفراد بصورة عامة خطأ، بل إنَّ الدفاع المُفرط الذي ينقلبُ إلى الهجوم ويتسبب في حالات القتلِ والتعدي الذي يُودي بحياةِ البشر وسلبِ حريات آخرين لاسيما الشباب هو حالةٌ مجتمعية خطيرة ومؤلمة لا ينبغي لها أن تتفشى ويُغضَّ الطرْفُ عنها. ظاهرة ترعرعتْ في كنف العولمةِ وضعف الوازع الديني لدى الجيل الجديد الذي لمْ يعدْ يردعه رادع.

ولا يجدرُ بنا بعد كل هذا الدمار وتجلي مبدأ الاستقواء الاستخفافُ بالطيبة والطيبين ممن تبقوا من الخلق أحياء يُرزقون رغم التمييزِ والاستهزاء والاعتزال، ظناً منا بأننا المحقون وهم من خالفَ سنةَ الحياة لالتزامهم بالخُلُق القويم. أيُعقلُ أنْ نكون نحن الأذكياءُ الأقوياء وهم الطيبون الضعفاءُ الأغبياء؟.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .