العدد 4386
السبت 17 أكتوبر 2020
استفتاء تشيلي
السبت 17 أكتوبر 2020

في غمرة انشغال العالم بمستجدات مخاطر كورونا وبؤر التوتر التي تشعلها تباعاً أنقرة في شرق المتوسط وليبيا وأخيراً القوقاز؛ مرت في الشهر الماضي الذكرى السابعة والأربعون للانقلاب العسكري الدموي الذي قام به الجنرال الراحل أوجستو بينوشيه في 11 سبتمبر 1973 في تشيلي على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي في انتخابات 1970؛ حيث فاز حزبه "الاشتراكي" في ائتلاف انتخابي تحت اسم "جبهة الوحدة الشعبية" ضمت في صفوفها ستة أحزاب وتكتلات يسارية من بينها الحزب الشيوعي.

وشرع الرئيس في تعزيز دور القطاع العام وإجراء بعض التأميمات في اقتصاد الدولة معتمداً على الأغلبية البرلمانية مع الحفاظ على نظامها الحر، تماما على طريقة المرات التي فاز بها الحزب الاشتراكي في فرنسا الرأسمالية بالتحالف مع الحزب الشيوعي في عصر اشتداد عود كليهما؛ إلى جانب قوى أخرى أضعف منهما. حوصر الليندي بدبابات الانقلابيين يوم الانقلاب وقتل في القصر الجمهوري "لامونيدا"، وبعد أيام توفى في ظروف غامضة الدبلوماسي وشاعر تشيلي الشهير بابلو نيرودا الحائز على جائزة نوبل، كما قتل المغني الشعبي الشهير فيكتور جارا في أستاد العاصمة سانتياغو الذي اكتظ بالمعتقلين.

مهما يكن فقد حكم الجنرال الراحل بلاده لمدة 17 سنة بقبضة حديدية، وكشف النقاب بعدئذ عن تورط الـ "سي آي إيه" في دعم المخطط إبان عهد الرئيس الأسبق نيكسون الذي اضطر للاستقالة 1974 إثر فضيحة "ووترجيت". لكن الانقلاب الذي جرى في زمن الحرب الباردة بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وأضعف قوى اليسار كثيراً وترك ندوباً غائرة ودروسا سياسية لم تتبدد حتى اليوم آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي انعكست على تفجر الصراع بين اليمين واليسار والذي يخيم مناخه على الاستفتاء الدستوري الذي سيجري أواخر الشهر الجاري.

فرغم مرور 30 عاما على انتهاء الحكم العسكري، إلا أن المشكلات الموروثة من عصره تفاقمت، خصوصا في ظل اتباع السياسات النيوليبرالية وانعكاسها على الارتفاع الفاحش في الأسعار وازدياد معدلات البطالة وتدهور الأحوال المعيشية لفئات الدخل المحدود والفئات المهمشة، دع عنك أحوال الطبقة الوسطى، في مقابل ذلك أثرت قلة من كبار رجال الأعمال ثراء فاحشاً من تلك السياسات بلا ضوابط، وباتت الديمقراطية الجديدة في ظل دستور موروث من حكم العسكر الطويل عقبة في وجه إصلاح ما أفسده الدهر؛ ومن ثم فإن آلياتها الحالية عاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية المنشودة بأية صيغة توافقية ممكنة لضبط الصراع المتفجر كالتي تحققت في دول رأسمالية ديمقراطية عريقة كما في البلدان الاسكندنافية على سبيل المثال، والاستفتاء الدستوري الذي كان من المفترض أن يجري في أبريل الماضي تأجل بسبب كورونا إلى 25 من الشهر الجاري؛ وسيتعين على المقترعين الإجابة عن مسألتين/ سؤالين: الأول هل توافق على تعديلات دستورية جديدة على الدستور الحالي؟ وإذا جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح هذا الخيار، ففي هذه الحالة تتولى لجنة معين نصفها من ممثلي البرلمان الحالي ذي الأغلبية اليمينية والنصف الآخر من المعارضة. أما السؤال الثاني: هل ترغب في إصدار دستور جديد؟ وإذا جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح هذا الخيار؛ ففي هذه الحالة يتشكل مجلس تأسيسي منتخب بكامل أعضائه. لكن يظل السؤال المعلق: هل يجري الاستفتاء في أجواء هادئة ونزيهة ويتقبل الطرفان بروح رياضية نتائجه أياً تكن؟.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .