العدد 4401
الأحد 01 نوفمبر 2020
ثقافة الاختلاف وتيارات الإرهاب الفكري
الأحد 01 نوفمبر 2020

لقد أثار مقالي قبل الأخير بعنوان “الشيعة والقضية الفلسطينية” الكثير من ردود الفعل الإيجابية والسلبية، وملاحظات ممن اتفق أو اختلف معي في الرأي، إلى جانب انتقادات صريحة تقبلتها بصدر رحب واستفدت منها كثيرًا؛ والتي أثرت النقاش الموضوعي في إطار الاحترام المتبادل للرأي الآخر وثقافة الاختلاف التي يتمتع بها مجتمعنا الزاهي بمختلف الأفكار والأطياف.

وقد كنت قد ذكرت في مقالي المذكور أن “إيران كانت ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تعترف بإسرائيل “بحكم الأمر الواقع” فور قيامها في العام 1948، ثم توج ذلك باعتراف كامل بها وتبادل دبلوماسي معها في عام 1950، ورغم أن نفرًا من الشيوعيين الإيرانيين كانوا قد عبروا باستحياء شديد عن استيائهم لقرار الحكومة، وأن الزعيم الإيراني الليبرالي محمد مصدق قام بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل عندما أصبح رئيسا للوزراء من 1952 إلى 1953، إلا أنني لم أتمكن، رغم محاولاتي، من الحصول على أي دليل يؤكد أو حتى يشير إلى قيام المرجعية العليا في إيران أو أي من حوزاتها أو مراجعها الكبار، أو أي من قطاعات المجتمع الإيراني، بالاعتراض أو الاحتجاج على قرار الشاه بالاعتراف بإسرائيل، أو أن القضية الفلسطينية كانت في ذلك الوقت حاضرة في وجدان الشعب الإيراني بشكل عام حتى ظهور الإمام الخميني”.

وقد استلمت العديد من الاتصالات التي أكدت على ما ذكرت، منها ما أرسله أحد الأصدقاء من أن “هاشمي رفسنجاني (الرئيس الرابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية)  في كتابه (حياتي) يقول عن موقف مرجعيات ايران ورجال الدين الشيعة حيال نكبة 1948 ان غالبية المراجع والشعور العام السائد في الحوزات كان يرى ان هذه النكبة تخص السنة وليس الشيعة، وأن لهذا السبب لم تظهر أية أصوات تعارض النكبة وتساند الفلسطينيين”، ولم استلم أي اتصال يُخطئ أو يُصحح ما ورد في مقالي من معلومات، كما كان هناك من استفزهم ذكر هذه الحقيقة، فاتسمت ردود فعل بعضهم بنوع من الحدة والتشنج والانفعال للأسف الشديد، وهو أمر لا يقلل من تقديرنا واحترامنا لهم، رغم أن هذا الأسلوب من النقد يقع تحت عنوان “الإرهاب الفكري” والغرض منه إسكات الأصوات وإخمادها وتكميم الأفواه وطمس الحقائق.

ويُعَرَّف الإرهاب الفكري باختصار شديد بأنه نوع من أنواع الآيديولوجيات التي تؤمن بعدم احترام الرأي الآخر، وتسلبه حقه بحرية التفكير و التعبير، وتحجر على العقول والحريات، وتحرم عليها التعبير عن ذاتها بحجة أن هذا مخالف لثقافةٍ أو لمذهبٍ أو عقيدةٍ أو رأيٍ ما.

وفي هذا الصدد عادت بي الذاكرة إلى الزيارة التي قام بها للبحرين سماحة المرجع الشيخ محمد مهدي شمس الدين طيب الله ثراه، في مثل هذا الوقت من نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي، وتذكرت المقولة أو الحكمة التي كان يرددها وهي؛ إن الإرهاب بمختلف أشكاله، والإرهاب الفكري خاصةً، هو سلاح الضعفاء والجبناء.

وكنت قد التقيت بسماحته خلال النصف الثاني من التسعينات، لأكثر من مرة في البحرين ولبنان، وكما هو معروف فإن الشيخ محمد مهدي شمس الدين يعد من أهم أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وكان رئيسا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وقد جمع رحمه الله بين العقلية الفقهية المجددة، والعقلية السياسية المنبثقة عن الروح الإسلامية السمحة المعتدلة، وكانت له جهود متميزة في التقريب بين السنة والشيعة في لبنان.

وقد زار البحرين في نهاية التسعينات باستضافة معالي الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رحمه الله، الذي كان وقتها وزيرًا للعدل والشؤون الإسلامية.ورافقه أثناء زيارته العلامة المرحوم الشيخ سليمان المدني.

وقد انتهز الشيخ شمس الدين فرصة وجوده ليؤكد رسالته ونصيحته لشيعة البحرين ولمختلف الأطياف فيها بأن يستفيدوا ويتعلموا من كارثة لبنان، وأن يحرصوا ويحافظوا على وحدتهم الوطنية، ويحذروا من المزايدين ومن التدخلات الخارجية، ويتجنبوا الانزلاق إلى هاوية الإرهاب بأي شكل من أشكاله، ويبتعدوا عن التقوقع والتمترس الطائفي، ويندمجوا في مجتمعاتهم، ويحرصوا على تأكيد انتمائهم إلى وطنهم وولائهم له قولًا وعملًا.

مثل هذه الأفكار النظيفة والنصائح المخلصة والمواقف الوطنية المشرفة جعلت شمس الدين يتعرض إلى تجني وسطوة مرتزقة الإرهاب الفكري، إلا أن ذلك لم يفل من عزيمته وإيمانه وإصراره على قول كلمة الحق والصدق، إلى أن اختاره الله إلى جواره في العام 2001.

وفي وجه طغيان الإرهاب الفكري قال الشرفاء والمخلصون والشجعان، وقلنا معهم، إنه لم يكن ربيعًا ولم يكن عربيًا ذلك الذي حدث في بداية العقد الثاني من هذا القرن عندما هبت عواصف وأعاصير ما سمي بالربيع العربي وكادت أن تقتلع الأخضر واليابس في بلادنا ضمن استراتيجية “الفوضى الخلاقة”، التي تجرعنا مرارتها وآلامها منذ 2011. والتي كان هدفها الحقيقي إغراق بلادنا والبلدان العربية في طوفان “الفوضى الهدامة”، وتفكيك دولنا العربية، وتفتيت مجتمعاتنا وتمزيقها عن طريق بث الفتن الطائفية وإثارة النعرات القبلية، وتوظيف المعتقدات الدينية والمذهبية حتى يسهل تفريقنا والسيطرة علينا.

لقد استخدم مهندسو ورعاة ومنفذو “مشروع الفوضى الخلاقة” سلاح التضليل والإرهاب الفكري لإسكات كل معارض وكل من حذر وكل من طالب بالمحافظة على سلامة الوطن والمجتمع وحماية أرزاق وأرواح المواطنين البسطاء ودماء الشباب ومستقبلهم.

لقد كانت مسرحية “الربيع العربي” مأساوية تكشفت فصولها الآن بشكل أوضح من خلال مذكرات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، إلى جانب ما تم تسريبه من رسائلها الالكترونية السرية و55 ألف مستند  فضحت وكشفت ما كان معروفًا ومستورًا من تورط الأبرياء أصحاب النوايا الحسنة وتآمر المخططين والمنفذين لاستراتيجية الفوضى الهدامة؛ الذين جُندوا ضمن دائرة النشاط السياسي والاستخباري للأجهزة الأميركية في ذلك الوقت وأصبحوا شركاء في مشروع مدمر لاستقرار وأمن أوطاننا.

لقد تم استغلال الكثير من شبابنا والزج بهم في أتون العنف والتطرف والإرهاب، وتم العبث والاتجار بدمائهم وأرواحهم ومستقبلهم، وكان الهدف زعزعة الاستقرار وإسقاط الدولة والنظام والمجتمع.

لقد حفظ الله بلدنا وأنقذنا برحمته، وبفضل حنكة وحكمة قادته ووعي المخلصين والشجعان من أبنائه الذين صمدوا ووقفوا في وجه الطوفان ووجه الإرهاب الدموي والفكري، كما حفظ الله مصر وأنقذها بفضل وعي شعبها وعزيمة جيشها، وكان الله في عون الدول التي وقعت فريسة وضحية لمخططات ومشاريع الفوضى الهدامة مثل سوريا وليبيا واليمن التي لا تزال تعاني وتذوق الأمرين.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .