العدد 4411
الأربعاء 11 نوفمبر 2020
الأقربونَ أولى بتثبيطِ العزائم
الأربعاء 11 نوفمبر 2020

قد تكون مبدعاً ومميزاً منذ الصغر، لكنَّ إبداعكَ هذا يموتُ مع الزمن، لأن أحداً من أسرتك لمْ يُعرْ تميزَك اهتماما، أو أنَّ مدرستك لم ترصد موهبتكَ مبكراً، بل لم تتمكن من اكتشافها أساساً، وحيُّكَ الذي تحيا فيه لم يفطنْ لكونك فناناً مبدعاً أو عالماً فذّاً أو كاتباً ثريَ الموهبة، وغالباً ما يعقبُ ذلك تراجع في العزائم واضمحلال في الموهبة التي كان الأجدى بها أن تُصقلَ وتنمو وتزدهر، ويحدثُ أنْ يملك المرءُ صوتاً جميلاً حقاً حسب المعايير والمقاييس، حتى أن الآخرين يمتدحون أداءه ويُعربون عن إعجابهم الشديد بتميزه، في حين يُصبحُ مادةً للسخرية بين أفراد أسرته الذين يضحكونَ من أدائه ولا يؤمنون بموهبته، وهكذا نرى أنَّ الأقربينَ هم أكثرُ الناسِ تثبيطاً لعزائمنا واستخفافاً بمهاراتنا ونقاطِ تميزنا، وذلك نقيضُ الواجب.

ولنخرجْ معاً من دائرة الأسرةِ لفضاء المجتمع الذي نحيا فيه ونتعاملُ معه، لنواجِهَ رفضاً شرساً لمواهبنا وملَكاتنا، على أنَّ هذا الرفض وإن بدا قاسيا وعنيفا، إلا أنه مستترٌ يجاهدُ أفرادُ المجتمع في إخفائه؛ بيدَ أننا نلمسهُ بوضوح وعبرَ مؤشراتٍ عديدة. إنْ كنتَ أديباً لامعاً مشهوراً، فأنتَ لامعٌ ومشهورٌ في الخارج، وفي مجتمعكَ لا يقرأُ لك أحد ولا يُعلقُ إيجاباً على إبداعكَ أحد، وإنْ وجدتَ في نفسكَ الأهلية للترشح لمنصبٍ نيابي، فلن يدعمكَ في حملتكَ أو ينتخبك بنو حيكَ أو مجتمعك إلا القلة، فلِمَ تُراهم ينتهجون هذا النهج مع المبدعين المتميزين من بني جِلدتهم؟!

أسبابٌ عدة تقفُ خلفَ هذا الموقف المستخف بالمتميز الذي يحيا معهم في الجوار، كالحسد والحقد؛ إذ يصعبُ على البعض تقبل أنْ يتفوقَ عليهم أحد، وكأن من خلقهم لم يخلق سواهم، خصوصا إنْ ظنوا أنهم يتميزون هم كذلك في المجال ذاته.. هؤلاء هم قتلةُ الطموح ووائدو الهمم الذين يعرقلون تقدم الناجحين ويسممون الأجواءَ بانتقادهم، ويتبرعون لصرف الناس عنهم وعن دعمهم وتشجيع مشاريعهم وبديع نتاجهم، إن اعترافهم بتميز هؤلاء المبدعين حسب رأيهم، يحطُّ من قدرهم ويشعرهم بالدنّو وقلةِ الحيلة في قبالةِ القوة والتميز لدى الطرف الآخر، هؤلاء يستقصون أخطاءَ أولئك، لعلهم يجدونَ في أفعالهم أو أشكالهم ثغرةً يعيبونهم عليها وينتقصون من مكانتهم باكتشافها، بدل أن يعتنوا بتشجيع ومساندة أفراد مجتمعهم من المتميزين وبموضوع تميزهم وماهيته فيفيدوا أنفسهم والآخرين، فليتوقفْ المجتمع عن اتخاذ موقف الندِ تجاهَ أبنائه وليحتضن المواهب المختلفة وينميها، وليشعر بالفخر والاعتزاز بنجاح أفراده، لأنَّ نجاحَ الفردِ نجاحٌ لكل المجتمع.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .