العدد 4412
الخميس 12 نوفمبر 2020
مجلس الرئيس .. عظّم الله أجرك يا وطن
الخميس 12 نوفمبر 2020

فقدت البحرين رجلًا من أوفى الرجال، رجلًا من أخلص وأشجع الرجال، رجلًا من أنبل وأتقى الرجال، ففي غمرة من الأسى والألم، فُجعت البحرين بل والأمة العربية والإسلامية وأمة الإنسانية جمعاء بنبأ رحيل رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته وألهمنا جميعًا عظيم الصبر وجليل السلوان.

لقد كانت الأيام القليلة الماضية بمثابة الاختبار الأصعب في حياتي، حيث السؤال الخارج عن صحة الأب الفقيد لم يحصل سوى على رجع الصدى، والاتصال بالمقربين وعلى رأسهم نجله الوفي نائب رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ علي بن خليفة مستفسرًا عن صحة الرئيس لم يحالفه سوى رد من كلمتين: شكرًا .. الحمد لله.

هنا بدأ القلق يساورني، وبدأت أشعر أن خبرًا حزينًا في الطريق إلى الوطن، وأن ألمًا معتصرًا سوف يصيب النفس وأية نفس بغصة عمر ومرارة بعد مسيرة، ودموع شعب بعد تاريخ، شعرت أن الأرض التي حملتنا معًا، وأن المجالس التي كان يزينها بحكمته الفارقة، ويطرزها بتوجيهاته السديدة، والتظاهرات الإنسانية الرائعة التي تخطت الحدود إلى الأشقاء في الدول الخليجية المجاورة، وتجاوزت الحواجز مع أمة العرب والمسلمين بل وإلى أمة الإنسانية جمعاء تواجه أكبر اختبار في تاريخها، بل إن تلك الحيوية وذلك الدأب، وهذه الجدارة ربما آن لها أن تترجل، وربما آن لنا أن نبكيها، وربما حان موعد الفراق وأي فراق.

وبالفعل لم يكذب قلبي فما وصل إلى ماكينة خيالاتي الحزينة لم يكن وهمًا، وما باغتتني به مشاعر الخوف والأرق الأسطوري لم تكن مجرد أحاسيس أو وساوس قهرية، لكنها الحقيقية المؤلمة، فالرئيس قرّر أن يغادر في صمت، في هدوء، في حنكة وحكمة وكياسة، والأب الحكيم آثر أن ينزوي بعد أكثر من نصف قرن في البناء والعطاء والوفاء والإباء وسبر أغوار التحدي وكل تحدٍّ.

رحل خليفة بن سلمان وترك لنا أثرًا بعد عين، وتراثًا من الأخلاق الحميدة، والثوابت الوطنية التليدة، والأحلام التي تحققت يوميًّا على أرض الخلود من دون ضجيج أو شوشرة أو كلام مُباع.

لقد أعطى الرئيس الراحل لبلاده وأمته ما لا يمكن أن يُعَد، أو يُحصى، ما لا يمكن أن نراه فقط بالعين المجردة، أو نضع أيدينا عليه لنقول: لقد أنبتت السنابل كلها بعد أن “وضع في الأرض مائة حبة”، فجاءت لنا بالإنجازات الاقتصادية والضمانات الوطنية، وعمل يدًا بيد مع رائد المشروع الإصلاحي الكبير عاهل البلاد المفدى حضرة صاحب الجلالة الملك حفظه الله ورعاه ومع سمو ولي العهد حفظه الله ورعاه صونًا لنماء وأمن وأمان وطن، وعرفانًا وإتقانًا لكل اللغات التي تُميز عائلة البحرين المالكة وشعبها الطيب الأبي عما دونه من شعوب وأوطان.

فباسم الرحيل الكبير وهو يأتي إلينا هذه المرة من بعيد، حيث كان الرئيس الفقيد في رحلة العلاج الأخيرة للولايات المتحدة الأميركية وضعنا جميعًا نرفع أعلى رايات الأحزان والإرادة التي غرسها فينا خليفة بن سلمان، فترك من خلفه خير خلف من أنجاله الأوفياء، سمو الشيخ علي بن خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء وسمو الشيخ سلمان بن خليفة مستشار صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان طيب الله وأحفاده الكرماء، وكل من وضع فيه بذرة من علم، ورسالة من أمل.

لنقف جميعًا في هذه اللحظات التاريخية الفارقة أمام التحدي لنكون رجالًا مخلصين لله وللوطن، نستلهم من خصال سموه الدروس والعبر، ونمضي على طريقه في السياسة والتفكر في أحوال الناس والرعية والجيران والأشقاء والأصدقاء، ننبذ التفرقة والانقسام، والتمييز ورفض الآخر، والذود عن وحدة الأمة وتوطيد أواصر التعاون بين السلطات، وصون مملكة الأمن والأمان، الوداعة والاطمئنان، وحماية منجزات تعبنا من أجل تحقيقها، ومكتسبات بذلنا لوجاهة مقصدها الغالي والنفيس.

الكلمة الآن: للوفاء ولا شيء غير الوفاء، لرجل من أوفى الرجال، لرجل من أشجع وأخلص الرجال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .