العدد 4413
الجمعة 13 نوفمبر 2020
د. جاسم حاجي
خليفة فيلسوف العصر للعرب
الجمعة 13 نوفمبر 2020

إنه لمن المعتاد أن تستمد الشعوب والأمم قوتها العلمية والمعرفية من تاريخها وماضيها المتصل بالحاضر، وكل ما كان هذا الماضي عريقا حافلا بالمنجزات كل ما زاد تأثيره على الأمة للحفاظ على الهوية الثقافية وتمسكها بالمفاهيم والقيم، ليظل التواصل بين الأجيال المتعاقبة، ونحن في الوطن العربي الكبير نملك هذه الهوية المعبرة عن تراثنا وحضارتنا التي تميزت بالعلم والمعرفة، وقد كان المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، يعد نموذجاً يُحتذى به للقادة العظام.

فبالرغم من هذا الموروث العظيم من الثقافة والمعرفة إلا أننا مازلنا ننظر دائما إلى الموظفين المغتربين والغربيين منهم على وجه التحديدعلى أنهم من ذوي القدرات العقلية والطبيعية الفائقة التي لا يمكن لشعوبنا في الخليج العربي الوصول إليها سريعا.. إن هذا الاعتقاد يمر عبر عدة أجيال، ونحن مازلنا نميل إلى فقدان الثقة في قدراتنا ومهاراتنا الإدارية لإدارة دفة السفينة.

ولكي نسلط الضوء على هذا الموضوع يجب علينا أن نعود بضع مئات من السنين لنقارن بين علمائنا العرب والعلماء الأوروبيين منذ زمن الوجود العربي بالأندلس أو قبل ذلك الزمن، حتى زمننا الحاضر حيث كان المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الملكي الأمير خليفة، رحمه الله، مثالا بارزا من الوقت الحاضر لما له من قواسم مشتركة مع بقية الفلاسفة العرب والمسلمين، مع ما كان عنده من حس قيادي، قوة الشخصية، والذكاء البديهي.

لقد عرف العالم خلال القرن الحادي عشر الفيلسوف العربي ابن رشد الذي يعد آخر الفلاسفة العرب، والذي لم يخف إعجابه الشديد بالفيلسوف اليوناني القديم أرسطو حيث قام بشرح كتبه وتحويلها إلى العربية، وإحياء كل ما قدمه من الفلسفات التي كانت مهملة منذ القرن السادس للميلاد، وهاهي الآن تدرس كمناهج في المدارس والجامعات، لذلك فنحن نعتبر أن التأثير الكبير من الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو في العالم الغربي اليوم جاء من فيلسوف عربي كابن رشد، كذلك يمكننا أن نستنتج أن مصدر الفلسفة الغربية كان بفضل العالم والفيلسوف العربي ابن رشد الذي كان رائدا أيضا في قواعد اللغة العربية والشريعة.

ولعلنا نجد هنا أن عظمة العلماء والفلاسفة العرب تتميز بأنهم لا يشتغلون في تخصصاتهم فحسب كما هو الحال لدى العلماء اليونانيين ورجال الأعمال الغربيين، لكن كانت عظمتهم في تنوع المعرفة لديهم، فنجد أن ابن سينا والذي كان يعرف بأنه كان زعيما في الفلسفة، الجيولوجيا، الكيمياء، الدراسات الإسلامية، الشعر، وعلم النفس، هو المعلم والمثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى، وكذلك الطبيب والفيلسوف أبوبكر الرازي الذي يعتبر من أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق على مر العصور، وتم انتقاد آرائه الدينية الجريئة من قبل العديد من العلماء والمفكرين المسلمين.

وهناك العديد من العلماء العرب الذين ساهموا منذ صغرهم في تغيير الوجه الحضاري للأمم وتركوا بصماتهم جلية واضحة من خلال ما قدموه للبشرية على أعلى المستويات وفي مختلف العلوم والاختراعات التي تعطي معنى للاختراع وفلسفة العقل، وفي مقدمة هؤلاء يأتي صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان، رحمه الله. ونحن هنا نتحدث عن الذي أبدع في عدة مجالات كالسياسة والرؤية المستقبلية، فقد كان المغفور له بإذن الله، صاحب رؤية طموحة دائماً ويسعى للتحسين ويدعم الشباب في العمل لمستقبل أفضل، كما كان سموه يمتلك الثقافة العميقة بالأفكار الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، ثقافة العمق الاستراتيجي، وأيضاً كان شخصية ذات قرارات عميقة وصائبة، كما أنه أبدع في عدة مجالات أخرى في نفس الوقت، فهو لم يكن رجل فكر فقط بل رجل عمل ونضال، رحمه الله برحمته الواسعة.

إن ما سبق ذكره من إنجازات لهؤلاء الفلاسفة يعتبر عند الكثيرين في وقتنا الراهن عبارة عن لغز أو أحجية تحتاج لمن يفك طلاسمها حينما يتساءلون كيف يمكن لأي فرد أن يكون له الكثير من المواهب أن يجد الوقت الكافي ليكون متعدد المهارات على مستوى تغيير معنى الطب والفلسفة وعلم النفس وتخصصات أخرى كثيرة كما هو الحال مع الفلاسفة والعلماء العرب الذين سبق ذكرهم، وذلك مع كل الاحترام للعالم اليوناني القديم أرسطو أو أرخميدس اللذين ركزا على موضوع واحد خلال حياتهما وهما يعتبران رائدين لا مثيل لهما في العصور القديمة.

نحن في مملكة البحرين نستطيع أن نتحسس هذه الحقيقة ونلمسها في أجيالنا الجديدة التي تتقن الكثير من المواهب والمهارات في مختلف الجوانب بجانب تخصصاتهم المهنية مقارنة مع الأجانب المقيمين الذين لا يجيدون سوى تخصصاتهم التي يعملون بها وينتمون إليها. إن الاعتبارات التي نضعها للمهارات الغربية والانحياز لها هي من باب أولى أن تكون لتاريخنا العريق الحافل بالإنجازات العلمية والمعرفية التي تعد ثروة قومية لها مؤثرات قوية يمكن الاستفادة منها في مختلف جوانب الحياة بما فيها الدراسات الجامعية والأكاديمية. فإذا كان للدول الأخرى أن تأخذ زمام القيادة والاعتزاز بتاريخها، فقد حان الوقت بالنسبة لنا لنأخذ زمام القيادة بالاعتماد على جسور التواصل والامتداد بين تاريخنا العريق وحاضرنا المشرق والأخذ برؤية وثقافة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان، رحمه الله، كمثال وقدوة لنا والذي كان يمتلك سمات ما وجدت في العرب منذ اختفاء الفلاسفة، ما جعله فيلسوف العصر الحالي عند العرب. إن أعمال، المغفور له بإذن الله، سمو الأمير خليفة بن سلمان، ستبقى أبد الدهر شاهدة على كفاءته وقدرته على تعزيز صورة أفضل لمملكة البحرين للأجيال القادمة.

رحم الله سمو الأمير الوالد خليفة بن سلمان آل خليفة رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، كما ندعوا العلي القدير أن يجازيه خير الجزاء لكل ما قدمه لمملكتنا الحبيبة عبر تاريخ حافل بالعطاء والإنجازات.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .