العدد 4415
الأحد 15 نوفمبر 2020
وداعًا أيها الأمير القائد
الأحد 15 نوفمبر 2020

أبا عليٍّ وداعًا كيف أنطقها

وهي الفراقُ وفيها القلب يبتهلُ

أبا علي أميرَ الفضلِ يا رجلًا

في كل مكرمة ما فاقهُ رجلُ

كنتَ الصديقَ الذي إن جار بي زمنٌ

ألقاهُ أسرعَ مَن لَبوا ومَن بَذلوا

هذه 3 أبيات أنقلها من رثائية نظمها مشكورًا الوزير الشاعر الإماراتي مانع بن سعيد العتيبة فور سماعه نبأ وفاة رئيس وزراء مملكة البحرين المغفور له صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه.

إن هذه الأبيات تعبر وتعكس بصدق، وبأكبر قدر ممكن من الدقة، ما أحسُ به شخصيًا، وما يحس به المئات بل الآلاف ممن عاشروا وعرفوا عن قرب الأمير الراحل، والذين أعد نفسي واحدا منهم.

كانت البداية منذ أكثر من 50 عامًا عندما التقيته لأول مرة في مجلسه المسائي في بيته القديم بالرفاع الغربي، لم أكن قد بلغت العشرين من عمري وقتها، وكانت التجربة باهرة ومؤثرة.

وأمتدت علاقتي بالمرحوم من خلال حرصي على حضور ذلك المجلس كلما سنحت الفرصة، ثم تطورت بتكثيف التواصل واللقاءات والاجتماعات به من موقعي كعضو في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين لثلاثة عشر عامًا، وعضويتي بمجلس الشورى لدورتين انقطعت الدورة الثانية منها قبل نهايتها بتعييني وزيرًا؛ لأعمل تحت إمرته وإدارته المباشرة لمدة 10 سنوات أخرى.

لقد ترسخت وتعززت علاقتي بسموه أيضًا بعد انتهاء مدة العشر سنوات في العام 2005، عندما منحني وضعًا استثنائيًا فريدًا وغير رسمي، وأكرمني بأن وفر لي فرصة اللقاء به في أي وقت أشاء في ديوانه وفي قصره أيضًا في الكثير من الأحيان، وكان يدعوني للمشاركة في الكثير من الاجتماعات الرسمية واللقاءات التي يعقدها، وحضور المناسبات الرسمية التي يشارك فيها، والمعارض والمؤتمرات التي يفتتحها أو تقام تحت رعايته، والولائم الرسمية التي يقيمها على شرف ضيوف البلاد، ومرافقته في سفراته ورحلاته للخارج، الرسمية منها والخاصة، التي كان آخرها الزيارة التي قام بها لمملكة تايلند قبل أكثر من عام وقبل أن تعوقه ظروفة الصحية عن السفر، وقد توثقت وتوطدت هذه العلاقة منذ بدايتها وعلى مختلف مراحلها المتعددة لتؤدي إلى ارتباطي به بوشائج المودة والاحترام والتقدير والمحبة المتبادلة، لقيت خلالها منه رحمه الله كل الرعاية والعناية والاهتمام.

لقد كان سموه يعتبرني في تلك الفترة بالذات أخًا وصديقًا، وكان يعبر عن ذلك صراحة أمام الجميع؛ ولقد أغدق عليّ رحمه الله في كل تلك المراحل بفائض لطفه وكرمه وعطفه ودعمه وتشجيعه واهتمامه، مما يفرض عليَّ واجب الشكر والعرفان والوفاء، فأصبح وما يزال يحكم شعوري تجاهه الإحساس بالامتنان والتقدير، وأصبح ينطبق عليّ قول المتنبي: “إذا أنت أكرمت الكريم ملكته”، وأصبحت أتمثل دائمًا بقوله سبحانه وتعالى “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان”؟

في هذه الوقفة القصيرة فإنني سأتخطى التطرق إلى إنسانية الفقيد وتواضعه ودماثة خلقه وأصالة معدنه التي كانت تنعكس على كل تصرفاته، وتتجلى دائمًا وفي أروع صورها، على مجمل تفاعلاته وتواصله وعلاقاته الإنسانية الأسرية منها والمهنية والاجتماعية، وسأكتفي بالتحدث باختصار شديد عن الخصال والإمكانيات والقدرات القيادية والإدارية التي كان يتمتع بها هذا الرجل، والتي لا يصعب اكتشافها من أول وهلة.

وتعرَّف القيادة بأنها قدرة وفعالية وبراعة القائد السياسي، بمعاونة النخبة السياسية، في تحديد أهداف المجتمع السياسي وترتيبها تصاعديًا بحسب أولوياتها، واختيار الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الأهداف بما يتفق مع القدرات الحقيقية للمجتمع، وتقدير أبعاد المواقف التي تواجه المجتمع واتخاذ القرارات اللازمة لمواجهة المشكلات والأزمات التي تفرزها هذه المواقف، ويتم ذلك كله في إطار تفاعل تحكمه القيم والمبادئ العليا للمجتمع.

لقد كان رحمه الله يتمتع بحضور لافت مؤثر، وشخصية قوية ناضجة واثقة من نفسها، مسيطرة على انفعالاتها، وكاريزما بارزة، ومقدرة على التواصل والتعبير والتخاطب والنفاذ إلى من يتحدث إليهم، وهي من أهم المهارات التي يجب أن يتحلى بها القائد، كما كان يهتم بالتفاصيل؛ ولديه معرفة واسعة بالأنساب والعوائل والقبائل والمناطق والأماكن والأحداث في المنطقة، وقوة خارقة للذاكرة مكنته من حفظ كل ذلك؛  إن تلك المهارات والمقومات القيادية الأساسية التي اتفق عليها جميع المفكرين والمختصين، كان رحمه الله يتحلى بها.

وكان رحمه الله جادا صبورا جلدًا، ملتزمًا بأداء مسؤولياته وواجباته، حكيمًا محنكًا ينصت إلى آراء الغير، ويتقبل النقد، ويتغاضى عن الإساءة إيمانًا بالحكمة القائلة: “لا ترمى إلا الشجرة المثمرة”، ولديه خبرة زاخرة، ورؤية ثاقبة، ونظرة بعيدة وقدرة على الاستشراف، جعلته قادرًا على قراءة التوقعات وإدراك الارتباط بين الحدث والسبب الكامن وراءه.

ولقد أصبح رحمه الله على دراية تامة بالأهمية المتزايدة  لمهارات الاتصال والتخاطب والقدرة على استيعاب دور وأهمية كافة الوسائل والشبكات والمنصات الإعلامية ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي في بلورة وعي المجتمع، ومن هنا ينطلق اهتمام سموه بالتواصل والتفاعل الدائم مع وسائل ورجال الصحافة والإعلام وحملة الأقلام وقادة الفكر والثقافة.

وكان رحمه الله على درجة عالية من الحساسية الاجتماعية، Social Sensitivity  وادراك تام لأبعادها، وكفاءة مميزة على توظيفها بكل مهارة واقتدار في إدارة منظومة علاقاته الشخصية بالأفراد والأماكن والمناسبات، واستخدام تلك الحساسية كمحرك للنفاذ والتغلغل والتأثير على مدارك من يخاطبهم، وتحسس وتلمس هواجسهم ودوافعهم وتطلعاتهم. وضمن إطار تلك الحساسية فقد عُرف عنه، رحمه الله، مراعاته الدائمة لشعور الآخرين، وحرصه الشديد على عدم إهانة أو إحراج أحد قط أو القسوة عليه.

وفِي خضم تلك الخصال والخصائص القيادية المتنوعة والمختلفة كان ثمة انسجام وتوافق واضحين بينها في داخله ضمن مفهوم تكامل الصفات الشخصية Personality Integration  وهي من أساسيات الكفاءات الإدارية والقيادية الناجحة.

وكان الجدل قد احتدم بين المفكرين والمختصين حول ماهية الخصائص والملكات القيادية، وهل هي فطرية أم مكتسبة؟ وهل يولد القائد بصفات أو سمات وراثية تؤهله للقيادة؟

إن “نظرية الرجل العظيم” تعتبر من أشهر النظريات في القيادة، التي تفترض أن القائد يولد بخصائص قيادية ساطعة تمكنه وتؤهله للقيادة الحكيمة. كما أن من أبرز الباحثين في هذا المجال العالم رالف ستوغدل Stogdill Ralph  الذي أعد نحو 278 دراسة بين عام 1904 وعام 1974م،  تعمقت كل هذه الدراسات في صفات القادة وخصالهم والتي من أبرزها، حسب رأي ستوغدل؛ الذكاء، والمبادرة، والمثابرة، والثقة بالنفس، والمسؤولية، واليقظة، والبصيرة، والحس الاجتماعي.

إلا أن ثمة دراسات ونظريات حديثة تؤكد أن القيادة لا يمكن أن تتكئ على الصفات الفطرية أو الموروثة فقط، بل تحتاج إلى جملة من  القدرات والإمكانيات التي يمكن اكتسابها وصقلها، والتي تمكن الفرد من تحمل عبء المسؤولية وثقل مهمة اتخاذ القرار وتبعاته. المرحوم خليفة بن سلمان جمع بين هذين المنظورين فقد توفرت فيه الخصائص القيادية الفطرية الوراثية، وأتاحت له الظروف والممارسة صقلها وتطويرها في الوقت نفسه.

ليرحم الله صاحب السمو الملكي المغفور له الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، وليطيب ثراه، ولتستقر روحه الطاهرة راضية مرضية إلى جوار ربها مطمئنة في مثواها الأخير، فهذا الوطن الغالي ستظل تحميه وتحفظه وتحرسه عناية الله ورعايته، والسواعد القوية والعيون الساهرة المتيقظة لعاهلنا المفدى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وولي عهده الأمين رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظه الله ورعاه وسدد على طريق الخير خطاه.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .