العدد 4420
الجمعة 20 نوفمبر 2020
كورونا حجة غياب... أم عذر حقيقي؟
الجمعة 20 نوفمبر 2020

“كانت تائهة وعثرنا عليها”.. لطالما تمنينا ذلك في الماضي بيننا وبين أنفسنا، كنا نتمنى أنْ يكُفَّ الأهلُ والجيران عن زياراتهم اليومية في “حوش دارنا”؛ لننعمَ ببعض الخصوصيةِ في منازلنا، تبطَّرْنا على نعمةِ التواصلِ في الزمن الجميل، وجنحنا للعزلةِ والوحدة ظناً منّا أنَّ ذلك من سماتِ التحضُّرِ والرقي؛ فخلَّفنا وراءَنا إرثاً رائعاً وقلوباً جميلة تتداعى إلى أحبتها في الشدةِ والرخاء بلا موعدٍ مسبقٍ ولا إخطار. ومن تقاليدِ الباب المفتوح والحصيرِ الممدود و”قلة” التمر في الحوشِ أو الليوان، حيث الأحاديث الطويلةِ التي تختلطُ فيها الأصواتُ بأنغامٍ لا تنتهي، يتفقدُ خلالها الجارُ جاره والجدُ عياله، لسياسةِ الباب المغلقِ التي انتهجها الجيلُ الثاني تمشيا مع عجلة التطورِ والتقدمِ التي جرَّتْ كلاً من الرجلِ والمرأةِ إلى حقلِ العمل والإنتاج، فذُهِلتْ المرأةُ عن شؤونِ مجتمعها بالعملِ ورعاية الأطفال والمنزل، وأُجبرَ الرجلُ على إيجاد مصادرَ أخرى للدخل إيفاءً لمتطلباتِ الحياة التي تزدادُ يوماً بعد يوم مع ذهابِ القناعةِ وزيادةِ الغلاء.

باتَ الناسُ يخشون زيارةَ بعضهم لانشغالِ الجميع ومخافة البعض من إقلاقِ راحةِ البعض الآخر، وأُغلقَ البابُ بصورةٍ رسمية لمْ يُنكرها أحد أو يزدريها المجتمع، إلا ثلةٌ من الطيبين لا غير، وجاءت كورونا لا لتُغلقَ البابَ فحسب، بل ولتضعَ قفلاً لا يُفتح على العلاقاتِ الإنسانية وأواصر الدم، وباتتْ قطيعة الوالدين والأهل مبررة، وصار المجتمعُ ينادي بالعزلة ويشجعُ عليها، بطبيعةِ الحال، حتى أصبحت كورونا حجةَ غيابٍ متفق عليها لا تشوبها شائبة، ويبدو أنَّ البعض وجدها فرصةً ذهبيةً للتخلصِ من مسؤولياته تجاهَ ذويه ومجتمعه واستعذبَ الاختفاءَ والعيش بحرية، لا يُسأل عما يفعل، ولا أين يقضي وقته، وقد يسافرُ، أو يتجولُ أو يتناولُ وجباته خارج منزله، لكنه لا يُضمِّنُ الأقربين في خطِ سيرِ رحلاته التي لا تتوقف، إلا على باب الأهلِ والجيران، وهنا، فأنا لا أُهوِّنُ من خطرِ الفيروس بالتأكيد، فالوقاية واجبة؛ لكنَّ السؤالَ الذي يطرحُ نفسه، هل يقبعُ الفيروس في بيوتاتِ الأحبة وتخلو منه المرافقُ العامة والطرقات.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .