العدد 4422
الأحد 22 نوفمبر 2020
مرحبًا بالرئيس جو بايدن
الأحد 22 نوفمبر 2020

على الرغم من أن قادة دول مجلس التعاون الخليجي، أو غالبيتهم على الأقل، كانوا يفضلون ويتمنون فوز الرئيس ترامب لدورة رئاسية ثانية، إلا أنه من منطلق أن السياسة لا تعترف بالتمنيات، و”ليس فيها صداقات دائمة ولا عداوات دائمة”، بل إنها ترتكز على أساس المصالح فقط، فإن مصالح الدول الخليجية تقتضي المبادرة بالإسراع أو الاستعداد للتعامل مع الواقع، والتفاعل والالتحام، بكل ثقة وعزم، بالرئيس الجديد وفريق عمله، والسعي لتحقيق توافق معهم لتحديد معالم خارطة طريق للعلاقات المستقبلية بين الطرفين مرتكزة على قواعد مشتركة أساسها مكافحة الإرهاب ومحاربة التطرف وتحقيق التنمية والسلام في المنطقة، وهي أهداف لا خلاف حولها بين الطرفين، وتتفق مع مصالحهما.

لقد بلغت العلاقات بين دول المجلس، خصوصًا ثلاثي السعودية والبحرين والإمارات ذروتها من القوة والمتانة في عهد الرئيس ترامب، وليس ثمة ما يعوق استمرارها على هذا النهج وهذا المستوى، وتطويرها والارتقاء بها إلى الأفضل في عهد بايدن، الذي لا ولن يختلف عن سلفه في وضع مصالح أميركا الحيوية قبل وفوق أي اعتبار.

إن الديمقراطيين والجمهوريين وجهان لعملة واحدة، وأن أي تغيير في السياسة الخارجية للديمقراطيين تجاه المنطقة سيكون محدودا في الظروف الراهنة، وإن العلاقات الخليجية الأميركية لن تعود مثلما كانت عليه في فترة رئاسة باراك أوباما كما يظن أو يتمنى البعض.

إننا على إدراك تام بأنه لكل رئيس أميركي رؤية يحاول تحقيقها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، إلا أن ذلك ممكن ما دامت تلك الرؤية باقية في انسجام وتناغم مع مسارات الاستراتيجيات القومية المبنية على المصالح العليا للولايات المتحدة.

إن استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أخذت تتشكل على أساس أن مصالحها الحيوية في هذه المنطقة بدأت تتراجع، منذ بداية عهد باراك أوباما، واستمرت في عهد ترامب، وسيواصل بايدن الالتزام بهذه الاستراتيجية، فأميركا تعتزم الخروج من هذه المنطقة بسلاسة إن أمكن، بعد أن انتقل ثقل مصالحها الحيوية الى منطقة شرق وجنوب شرق آسيا وفي مواجهة الصين؛ مما يقتضي تكثيف تواجدها في تلك المنطقة، وإيجاد ترتيبات أمنية بديلة في منطقة الشرق الأوسط تندمج فيها إسرائيل ويكون لها دور محوري ضمن منظومة دفاعية تحول دون حدوث أي فراغ أمني يهدد حلفاءها في المنطقة.

لقد كانت المصالح الأميركية العليا للولايات المتحدة في منطقتنا ترتكز في الأساس على ثلاثة محاور رئيسة، وهي: اعتبار المنطقة أحد خطوط التصدي الأمامية لمواجهة المد الشيوعي السوفيتي، وحماية المنطقة كمصدر أساسي للنفط، والتواجد فيها للحفاظ على إسرائيل وسلامتها.

ومنذ سنوات طويلة انعدمت تمامًا أهمية المنطقة الاستراتيجية كأحد خطوط التصدي الأمامية لموجهة المد الشيوعي السوفيتي بعد انهيار الشيوعية والاتحاد السوفيتي، كما تدنت أهميتها كمصدر أساسي للنفط مع ارتفاع إنتاج النفط والغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، ونمو مصادر الطاقة البديلة، واكتشاف مكامن ضخمة للنفط والغاز الطبيعي خارج منطقة الخليج العربي.

أما بالنسبة لضمان الحفاظ على أمن إسرائيل وسلامتها، فإن ذلك قد تحقق بالفعل بعد أن نجحت الولايات المتحدة، وعلى مدى سنوات طويلة، في ترسيخ المنعة الأمنية والتفوق العسكري لإسرائيل في المنطقة، وبعد أن تخلت الدول العربية عن خيار الحرب ضدها، وفي الواقع فإن، إسرائيل تحولت من دولة قلقة على سلامتها، إلى دولة مستعدة للمساهمة في ضمان سلامة دول المنطقة.

وقد كان بايدن من أول المصفقين والمهللين لنجاح جهود الرئيس ترامب في تطبيع علاقات إسرائيل بدولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وجمهورية السودان خلال الأشهر القليلة الماضية، وفي هذا المسار فإن بايدن سيعمل على دعم ما تم التوصل إليه، وعلى تعزيز عملية اندماج إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة بعد أن أصبحت تتمتع بعلاقات مفتوحة مع 5 دول عربية، وعلاقات مستورة مع عدد أكبر من ذلك، وسيدفع بايدن دول عربية أخرى للانخراط في هذا المسار، ومن المتوقع أن ينجح في إقناع ثلاث دول عربية أخرى على الأقل خلال العام الأول من ولايته؛ انطلاقًا من علاقته المتينة بإسرائيل، واقتناعًا منه بأن ذلك سيشجع إسرائيل على تقديم تنازلات للفلسطينيين، وسيؤدي إلى تعزيز جهود السلام في المنطقة؛ وعلى هذا المسار لا يوجد أي تعارض أو تباين بين موقف بايدن وقادة دول المجلس.

إضافة إلى ذلك، فإن هناك تطابقا في وجهات النظر واتفاقا تاما أيضًا بين الخليجيين والديمقراطيين على حل القضية الفلسطينية بالتفاوض وبالطرق السلمية، وعلى أساس حل الدولتين، ورفض ضم الأراضي الفلسطينية والاعتراض على توسيع المستوطنات، وتجاهل أو تخطي مشروع  “صفقة القرن” الذي طرحه ترامب قبيل انقضاء مدة رئاسته.

ويحاول الكثيرون أن يروجوا أو يحذروا أو يخوفوا دول المجلس من حتمية قيام بايدن بإعادة تفعيل أو إحياء الاتفاق النووي بصيغته الأوبامية الذي عقدته الولايات المتحدة مع إيران والذي انسحب منه الرئيس ترامب، هذا التحذير لا مبرر له، وهذا التخويف لا طائل منه ولا أساس له، فالعودة إلى الوراء مستحيلة، وبايدن لا يستطيع أن يقدم على هذه الخطوة، إدراكًا منه بالواقع الجديد الذي تعيشة المنطقة الذي يختلف عما كان عليه أيام أوباما، فقد تغير هذا الواقع جذريا خلال السنوات الأربع الأخيرة، وتغيرت نظرة دول المجلس لطبيعة الأخطار والتهديدات التي تواجهها، وتبدلت خارطة العلاقات البينية فيها، ونشأ وضع سياسي واستراتيجي مختلف بعد تكوين تحالف، معروف وغير معلن حتى الآن بين أكبر وأقوى دول المنطقة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل إلى جانب البحرين بأهميتها الاستراتيجية القصوى، وهذه الدول أصبحت بالفعل ترتبط بتوافق وانسجام ووضوح في الرؤية وتعاون فيما بينها، بايدن لن يستطيع الوقوف في وجه هذا التحالف الذي يرفض العودة إلى الاتفاق النووي بنسخته الأوبامية.

إلى جانب ذلك، فإن بايدن صديق حميم قديم لإسرائيل، وقد حاز على 77 % من أصوات الناخبين اليهود الأميركان في الانتخابات الأخيرة، ولا يرغب أو يستطيع أن يتزحزح قيد أنملة عن سياسة أميركا الثابتة في دعم إسرائيل وضمان أمنها وسلامتها، وإسرائيل بدورها أصبحت تعتبر إيران أكبر تهديد لها وأكبر خطر عليها، وصار موقفها مدعوما من غالبية دول المجلس ودول عربية أخرى في المنطقة، وبايدن لن يستطيع التغاضي عن أي خطر يهدد إسرائيل أو أن يسمح لإيران بأن تستمر كمصدر تهديد لها وللدول العربية الخليجية الأخرى؛ ولذلك فإنه لن يستطيع إعادة أميركا والمنطقة إلى الوراء وإلى حظيرة الاتفاق النووي مع إيران بصيغته الأوبامية.

وبالتأكيد، فإن منطقة الشرق الأوسط لا تأتي على قمة أولويات الرئاسة الأميركية الجديدة، تتقدمها دون شك قضايا وتحديات الداخل والجوار، وترميم الجسور مع الحليف الأوروبي والمنظمات الدولية، ووضع حد لحربها التجارية مع الصين ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، وفي أحسن الأحوال، فإن الرئيس بايدن البالغ من العمر 78 عامًا سيتجه إلى تخفيض حالة التوتر بين بلاده وإيران، وسيلتزم بما ورد بكل وضوح في البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي وما أكده في المقال الذي نشره في شهر مارس من هذا العام في المجلة الأميركية المرموقة “فورن بولِسي” من أن العودة المحتملة إلى صيغة جديدة للاتفاق ستكون مرهونة بعودة طهران لكامل التزاماتها التي تخلت عنها بعد انسحاب ترامب منه، وستأخذ في الاعتبار تحفظات ومخاوف الدول الخليجية وإسرائيل والمجتمع الدولي من برامج تطوير طاقة إيران النووية وتنامي قوتها الصاروخية البالستية وسلوكها التوسعي في المنطقة، وفي إطار هذه الصيغة لا يوجد خلاف بين بايدن وقادة دول المجلس الذين يتمنون أن تقبلها إيران.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية