العدد 4423
الإثنين 23 نوفمبر 2020
عمود أكاديمي د. باقر النجار
عالم ما بعد ترامب
الإثنين 23 نوفمبر 2020

لم يأت رئيس أثار هذا القدر من القبول والرفض على صعيد الداخل الامريكي  والخارج كما هو الرئيس الامريكي دونالد ترامب المنتهية رئاسته. فلم تكن سنواته الاربع التي أعتلى فيها كرسي قيادة الولايات المتحدة الأمريكية سنوات عادية. فهي قد جاءت على أمريكا كما هو الخارج بتغيرات أعتقد أنها ستبقى كذلك لبضع سنين قادمة.وهي تغيرات بدت سلبياتها خصوصا على الداخل الأمريكي، وفي سنته الأخيرة، من الحجم الذي لم يستطع المجتمع تحمله فأخرجته صناديق الاقتراع من السلطة. ولا بد لنا من تأكيد أن خروج ترامب من السلطة كان لأسبابها ومتغيراتها الداخلية التي هي كما أدخلته  للسلطة فقد أخرجته من أروقتها. فسوء إدارته لجائحة كورونا، وبالتالي التعامل مع تبعاتها، التي أخرجت الملايين من دائرة العمل وأخرجت الكثير من رجال الاعمال من النشاط الاقتصادي، كانتا السببين الرئيسيين في خروجه من السلطة.

من الناحية الأخرى فإن الولايات المتحدة الأميركية  ليست كاي دولة أخرى في العالم. فهيمنتها على الاقتصاد والسياسة العالميين يجعل منها الدولة الأكثر تأثيرا، وهي تغيرات يمكن تحديد بعضها في التالي..

إن الطريقة التي أدار فيها ترامب الملفات الدولية قد أثارت علية الكثير من ردات الفعل. فهو في فعله السياسي هذا كان يعتقد أن مصلحة أمريكا “تأتي أولا” في مقابل دول العالم الاخرى. إلا أن هذه السياسة وكما تشير مجلة الفورين أفيرز الأمريكية في عدد أكتوبر الماضي قد اثارت الكثير من الاضطراب والفوضى، في مواقع كثيرة من العالم. كما أنها أضعفت من وضع أصدقائها في مقابل أعدائها الذين أصبحوا أكثر قوة... وهي سياسات قد خلقت حالة من العزلة للولايات المتحدة الأمريكية نتيجة للطريقة التي تعاطت  فيها مع القضايا والملفات الدولية، إذ باتت معلومات حلفائها من الأوربيين عن بعض سياسات أو خطوات الادارة الامريكية، تأتي إليهم كما الآخرين من خلال أجهزة الأعلام المختلفة وليس من خلال قنوات الاتصال الخاصة مثلما كان يتم خلال الإدارات الأميركية السابقة، كما في لقائه بالرئيس الكوري الشمالي و كما هو تعاطية مع  الملف التركي والصيني.

والحقيقة أن الرئيس الأميركي قد جاء إلى الحكم في ظل نظام قائم كان محوره أمريكا ورديفاتها في العالم الغربي.. إلا أن سياساته المتتالية على مدى الاربع سنوات الماضية قد هدفت إلى تفككيك هذا النظام دون التفكير في البدائل الممكنة الأخرى. وقد يمثل خروجه من بعض الاتفاقيات الدولية، رغم سوء بعضها من وجهة نظر البعض، وذهابه نحو دعم أنظمة قد تبدو مارقة أو غير منضبطة الفعل السياسي في إطارها الإقليمي أو الدولي أو بالذهاب في حروب تجارية مع الصين وفي نزعته المتسرعة نحو عقد اتفاق مع كوريا الشمالية قد أضعفت من موقف الولايات المتحدة وشكل نقطة الابتعاد في سياساتها عن حلفائها الغربيين. وقد لا أكون مبالغا أن أقول أن الرئيس الامريكي الجديد جو بايدن قد يحتاج لبعض الوقت ولربما السنين لتغيير بعض سياسات ترامب و العودة سريعا لما كان معمول به سابقا. فالولايات المتحدة الامريكية قد لا تكون، حتى مع الأدارة الجديدة، قادرة على أن تعود إلى وضعها المريح السابق في إدارة الشؤون الدولية وأن صراعاتها المكشوفة مع الصين و روسيا و إيران وكوريا الشمالية وتلك الخفية مع دول قد ربطته به تحالفات استراتيجية وعسكرية، قد تستمر لبعض الوقت، و لربما سباق التسلح الذي جاء بقوة مع القوى العظمى الجديدة، قد يستمر لبعض الوقت، إن لم يكن قد أصبح محتوما.. بل قد يذهب محاولا تعقيد بعض الملفات الدولية الساخنة على الإدارة الامريكية القادمة، كما فيما سربته جريدة النيويورك تايم مؤخرا عن رغبته في أستهداف بعض المواقع النووية الايرانية قبل مغادرته البيت الابيض وهي الرغبة التي دفعته لإقالة وزير دفاعه مارك أسبر لمعارضته وبشدة مثل هذا العمل.

أما المسألة الأخرى المهمة في علاقات أمريكا الخارجية قد تكون علاقة أمريكا بحلفائها الأوربيين القريبين. وهي علاقة قد شابها في الفترة الأخيرة قدرا من الفتور ولربما خلخلا في الثقة القائمة فيما بينهم، نتيجة لما يسمونه بسياسة الضغط الذي تعرضوا له من قبل ترامب وتحديدا في محاولته رفع حجم المساهم المالية في مصروفات حلف الناتو العسكرية، وفي تغطية كلفة بعض القواعد الأمريكية فيها، كما هو فيما يتعلق بمستقبل الناتو كمنظمة عسكرية حافظة للأمن والسلم في أوروبا والتي طالما هدد ترامب بالانسحاب منها إن لم تضطلع أوربا بدور مالي أكبر في مصروفاتها العسكرية.

ويتداول الأوربيون كلاما متعلقا بتشجيع إدارة ترامب لانسحابات أوربية جديدة من الاتحاد الأوربي  خصوصا بعد إنسحاب بريطانيا منها. والحقيقة أن إدارة ترامب لم تكن فقط مشجعة لانسحابات أوربية جديدة من الاتحاد الأوربي و إنما أصبحت مشجعة للقوى والجماعات الشعبوية العنصرية الأوربية، سواء أكانت في الحكم كما هو في إيطاليا أو خارجها كما هو في الحالة الفرنسية.. وهو الأمر الذي دفع نحو أن تتخذ بعض الدول الأوربية وتحديدا فرنسا وألمانيا قدرا من الاستقلالية في قراراتها على المستوى الدولي وفي المنظمات الدولية. بل إن التسليم بالقيادة الأمريكية قد أصابه قدر من الاهتزاز نتيجة لانسحابه من عدد من الاتفاقات والمعاهدات والمنظمات الدولية. وفي الحرب الاقتصادية القائمة ألآن بين الصين والولايات المتحدة فهي لم تكن إلا لتحقيق قدر من الفائدة الاقتصادية الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية، منها لأحداث قدرا من التوازن في العلاقات الاقتصادية الدولية المائلة بشدة نحو الصين كما يعتقدون.

من الناحية الأخرى فإن أنسحاب الولايات المتحدة من عدد من الاتفاقيات والمنظمات الدولية قد أضر كثيرا بها، إذ أعطت هذه الاتفاقيات المتعددة الاطراف أو الثنائية قوة في الحضور الامريكي على المستوى الدولي كما شكلت قناة مهمة للمعلومات الاستخباراتية الأمريكية. وبانسحابها منها فقدت أمريكا جزءا مهما من حضورها الدولي وتأثيرها على بعض الاقاليم والدول في العالم.

وفيما يتعلق بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، فإن سياسة ترامب حيال القضية الفلسطينية قد مثلت نوعا من القطيعة عن سياسيات الأدارات الامريكية السابقة، بل مثلت خروجا صريحا عن الثوابت التي جرت عليها سياسات الادارات السابقة في ظل حكم الحزبين: الجمهوري و الديمقراطي. وتحديدا نقل السفارة الأمريكية للقدس والعمل على حل الدولتين، ووقف الدعم المقدم لمنظمة الأنرو والسلطة الفلسطينية والاعتراف بضم إسرائيل للجولان السورية. من الناحية الاخرى فإن سياساته من التمدد التركي والإيراني في المنطقة العربية قد اتسم بقدر من التراخي رغم ما بدت عليه عقوباتها الاقتصادية على إيران متسمة بالصرامة والشدة غير المسبوقة.

قد تكون سنوات حكم ترامب الأربع الماضية ليست بالسنوات الطويلة على مستوى الزمن والتاريخ، ولكن الأحداث والمواقف التي جاءت خلالها باتت في بعضها غير قابلة للتراجع في ظل أي إدارة جديدة قادمة. فالصين مثلا قد أصبحت دولة قوية وغنية، وأصبحت كوريا الشمالية مالكة للمزيد من الرؤوس النووية والاسلحة البالستية، كما أن خروج أمريكا من الاتفاقية النووية مع إيران قد أعطى الإيرانيين مساحة وفرصة أكبر ولربما غير مبررة للتمادي. ولم يخفف من مشكلة البيئة وانتشار التلوث إلا جائحة كورونا، التي باتت في انتشارها و اكتساحها المتكرر في موجات متتالية لبلاد العالم أجمع، وتحديدا الولايات المتحدة، تعكس إخفاقات بعض الدول في مواجهاتها نتيجة للافتقاد لقدر من التنسيق الدولي في مواجهتها. ولم يكن التراخي في مواجهة الجائحة وما ألحقته بالاقتصاد الأمريكي إلا أحد الاسباب القوية لخسارته الكبيرة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

وخلاصة القول إن محاولات ترتيب الاوضاع المتدهورة التي جاءت كنتيجة لتخبط السياسات الأمريكية، في مناطق عدة من العالم قد اصبحت غير ممكنة بفعل الفوضى التي بات عليها العقل السياسي للسلطة في البيت الابيض بل لنقل الفوضى التي باتت عليها السياسات الدولية، وإنحسار الدور الامريكي في ضبط بعضها أو ردعه. وهي في هذا قد تحتاج للكثير من العمل والاطر لتتمكن من خلالها التخفيف من حدة المشكلات والتحديات التي يواجهها العالم كما يقول هاريس في مقاله الاخير في الفورين أفيرز. خصوصا أن بصمات ترامب باتت واضحة في مواقع كثيرة من السياسة الدولية التي انطبعت، كما تقول ماركريت في فورين أفيرز، بسماته الشخصية. فالسمات والخبرات الحياتية والانفرادية والطموحات الشخصية بالأضافة للقوة غير العادية، والقرارات التي يستطيع الرئيس أن يتخذها، شكلت جزءا كبيرا من سمات المرحلة السياسية الدولية السابقة.

وأعتقد بأن أي تغيير في السياسة الخارجية الامريكية في المرحلة القادمة لا بد أن يبدأ أولا بمجموعة من المراجعات الجادة والكبيرة لمجمل السياسات الداخلية في المجتمع الامريكي والتي يمكن أن تأخذ جزءا مهما من وقت وجهد أي إدارة قادمة. و لربما ثانيا إعادة الاعتبار للعمل المؤسسي في أتخاذ القرارات والتي افتقرت إليها الكثير من سياساته وقراراته في المرحلة السابقة. ولربما ثالثا إحداث انفصال لازم بين مؤسسات الدولة والانشطة الشخصية لشخص الرئيس أو الحزب، وهو ما دفع الكثير من الساسة و المعلقين الامريكيين لانتقاد الرئيس باستخدامه لمبنى البيت الابيض في إعلان ترشيح الحزب الجمهوري لشخصه  للرئاسة الامريكية.. بل  قد اثار تلكؤه بالاعتراف بخسارته الانتخابية وعرقلته للانتقال السلس للسطة من مخاوف خضوع الكثير من قيادات الحزب الجمهوري لإرادة ترامب و هيمنته رغم حداثة انضمامه للحزب.. ولنا في مقال قادم مناقشة حجم الخلل والمشكلات التي جاءت على المجتمع الأمريكي في المرحلة الأخيرة. ولربما أخطرها تنامي حدة الانقسامات العرقية والإثنية في المجتمع الامريكي، والانفرادية التي اتسمت بها الكثير من القرارات.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية