العدد 4427
الجمعة 27 نوفمبر 2020
بايدن وملالي إيران وملفهم النووي (2)
الجمعة 27 نوفمبر 2020

قلت سابقاً، وأكرر ان الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني لا يجب أن يكون ساحة للممحاكات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين لأن المسألة لا تتصل فقط بعلاقات الولايات المتحدة مع النظام الإيراني، بل تتصل بشكل مباشر بعلاقات واشنطن مع حلفائها الاستراتيجيين في منطقة الشرق الأوسط، وهذه مسألة لا يجب أن يتم تجاهلها كما فعلت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، في واحدة من الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها تلك الإدارة.

قناعتي أن الوضع هذه المرة مع إدارة ديمقراطية سيكون مختلفاً رغم حرص الكثير من المسؤولين السابقين في إدارة أوباما على لعب دور ما بتذكير الرئيس المنتخب بايدن بضرورة منح هذا الملف أولوية قصوى، ومن ذلك ما ذكره روبرت مالي المساعد الخاص للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في مقابلة مع صحيفة فرنسية، بأن “إيران ليست معزولة عن العالم، وبايدن يعطي الأولوية للعودة إلى الاتفاق النووي”، وهو تصريح لا يفهم في إطار أن مالي كان كبيراً لمستشاري باراك أوباما، بل في إطار أنه كان عضواً بفريق التفاوض الأميركي بشأن الملف النووي الإيراني، حيث يعمل على إحياء إرثه السياسي بغض النظر عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، لدرجة أنه حل محل أعضاء فريق الرئيس المنتخب ليعلن بكل ثقة أن بايدن ونائبته كامالا هاريس يقومان بوضع ملامح سياساتهما الخارجية، وأن إحدى أولويات بايدن تتمثل في العودة إلى الالتزامات الدولية، بما في ذلك اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران!

اللافت أن مالي اعترف في التصريح ذاته أن العودة إلى اتفاقية باريس للمناخ ستتم بمزيد من الإجماع وأسهل؛ لكن العودة إلى الاتفاق النووي “ستكون أكثر حساسية وتحديًا بسبب تداعياتها الجيوسياسية على الشرق الأوسط”، فضلاً عن إحجام حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، عن منح الاتفاق قبلة أوكسجين جديدة تعيده للحياة، وهو اعتراف مهم، رغم غرابته، ويؤكد أن القرار لن يكون سهلا بالمرة على الرئيس المنتخب، لاسيما في ظل ما لم يشر إليه تصريح المسؤول الأميركي السابق بشأن استفزازات ملالي إيران المستمرة وتجاوزهم السقف المسموح به لتخصيب اليورانيوم بحسب الاتفاق النووي، وكذلك تهديداتهم وتدخلاتهم المتصاعدة في دول الجوار، ناهيك عن أن المدى الزمني للاتفاق ذاته أوشك على الانتهاء وباتت العودة إليه بالشروط ذاتها تمثل إهانة للولايات المتحدة وهدية مجانية لملالي إيران بالادعاء بقدرتهم على إخضاع واشنطن لشروطهم ومطالبهم.

والحاصل إيرانياً أن الرئيس روحاني وفريقه يرون في انتخاب بايدن فرصة جديدة لبلادهم، حيث قال روحاني مؤخراً إن بلاده تبحث عن فرصة جديدة مع الإدارة الأميركية الجديدة، ونقل التلفزيون الرسمي عن روحاني خلال اجتماع لمجلس الوزراء قوله إنه “مع الإدارة الأميركية الجديدة، نحن في طريقنا للحصول على فرصة”، مضيفاً أن “الإدارة الأميركية الجديدة تحول الوضع نحو الامتثال، أي أننا ننتقل من جو التهديد إلى جو الفرص”.

وكان وزير الخارجية محمد جواد ظريف قد قال في مقابلة مع صحيفة “إيران” الحكومية في وقت سابق، إن “إلغاء بايدن العقوبات الأميركية على إيران وعودة طهران لتعهداتها في الاتفاق النووي ليس بالأمر الذي يستغرق وقتاً”.

وأوضح ظريف أن “إيران لا تعارض المفاوضات مع الولايات المتحدة وهذه القضية ممكنة في إطار مجموعة 5+1”، لافتاً إلى أنه “إذا نفذ جو بايدن تعهدات واشنطن في الاتفاق النووي فإن إيران ستعود فوراً وبالكامل إلى تعهداتها في هذا الاتفاق”.

وهذا يؤكد ما قلناه بشأن التفاؤل البالغ من جانب الملالي بقرب عودة الولايات المتحدة للاتفاق، وهو أمر لن يحدث بالسهولة التي يتوقعونها، ولكن على الإدارة الأميركية المقبلة أيضاً أن تتوخى الحذر وتتفادى الفخ، وتعيد فتح الملف للنقاش بالكامل قبل أن تتخذ أي قرار متسرع، وتحول دون تكرار خطأ إدارة أوباما بتجاهل وجهات نظر حلفاء واشنطن في منطقة الخليج العربي.

الحقيقة أن عودة الولايات المتحدة للاتفاق من دون شروط واتفاق مسبق حول بقية القضايا المهمة التي لم يشملها الاتفاق النووي الذي بات ميتا إكلينيكيا، سيضع الدبلوماسية الأميركية في مأزق صعب ويوفر للملالي الفرصة لهدر الوقت ربما لسنوات رئاسة بايدن الأربع في البحث عن صيغة جديدة لاتفاق نووي يرضي أهواءهم وفق نظرية “حائك السجاد”، التي جعلت التفاوض حول الاتفاق القديم يستغرق أكثر من خمس سنوات!. “إيلاف”.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .