العدد 4429
الأحد 29 نوفمبر 2020
الخليجيون والديمقراطيون وحقوق الإنسان
الأحد 29 نوفمبر 2020

بعد نشر مقالي الأخير بعنوان “مرحبًا بالرئيس جو بايدن” لفت نظري عدد من المتابعين والمهتمين، ولامني واتهمني بعض منهم بأنني تعمدت تجاهل الإشارة إلى موضوع أو ملف حقوق الإنسان ضمن سيناريو العلاقات الأميركية بالدول العربية الخليجية في نسختها المرتقبة في عهد الديمقراطيين، وكيف ستتصرف الدول العربية الخليجية حيال موقف الرئيس جو بايدن وما يقال عن نيته طرح أو فتح الملف المتعلق بحقوق الإنسان مع قادة هذه الدول؟


الجواب عن ذلك أنه لا يجب أن تكون لدى الدول العربية الخليجية أية خشية أو تخوف من هذا الاحتمال، أو أي تردد عن التعاطي والتجاوب والتعاون مع الديمقراطيين بكل ثقة وشفافية وايجابية عند مناقشة هذا الموضوع في حالة طرحه، مع انني لا أعتقد بأن هذا الموضوع سيكون على قمة أولوياتهم واهتماماتهم.


إن المجتمعات والأنظمة العربية الخليجية تفخر بما حققته، وفي فترة قياسية، من إنجازات على صعيد توفير الحقوق الأساسية للمواطن؛ من حق العيش بسلام وأمان واطمئنان، إلى ضمان حقه في الحصول على الاحتياجات المعيشية والسكن وخدمات الصحة والتعليم مجانًا وبأعلى المستويات، مرورا بحقوق المرأة وبحماية حقوق المواطن الاقتصادية، وصولًا إلى حقوقه المتعلقة بحرية العبادة والمعتقد وما شابه.


وعلى الدول العربية الخليجية ألا تتردد عن الاعتراف بوجود فجوات وثغرات في هذا الشأن، كما هو حال كل أو معظم دول العالم، وأن لا تخجل من الإقرار بالحاجة إلى المزيد من السعي والجهد للارتقاء بمستوى الحقوق السياسية وعلى رأسها الحق في حرية التعبير.


إن الدول العربية الخليجية لا تدعي الكمال، ولا الحق أو القدرة على تعليم الآخرين، وعليها أن تؤكد إيمانها بأن أسس هذه القيم راسخة في صلب تراثها ومعتقداتها، وأن هذه القيم لا يمكن، في كل الأحوال، استيرادها من الخارج أو فرضها بالضغوط والابتزاز.


إن الديمقراطيين يدركون أكثر من غيرهم بأن أميركا ليست، أو لم تعد القدوة التي يُحتذى بها عندما يتعلق الأمر بتحقيق مبادئ حقوق الإنسان، وإنها ليست مؤهلة أو مخولة لتوزيع شهادات حسن السيرة والسلوك على شعوب الأرض، وقد كتب الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر، مقالاً في صحيفة ‘’هيرالد تربيون’’ في شهر يوليو 2012 قال فيه:‏ ‘’إنَّ الولايات المتحدة تخلت عن دورها التاريخي في الدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم’’ واعترف بـ “أن سجل أميركا الحالي معيب، وإنها فقدت السلطة المعنوية للتحدث عن حقوق الإنسان وعن صون الحريات الشخصية حتى في الداخل الأميركي’’.‏


وعندما يتقلد الرئيس المنتخب جو بايدن منصبه رسميًا في شهر يناير القادم، فإنه سيجد الأصداء ما تزال تتردد في أروقة وجنبات البيت الأبيض لأنين المواطن الأميركي من أصول أفريقية؛ جورج فلويد، الذي قتل مختنقا على نحو بالغ الوحشية تحت ركبة شرطي أبيض وهو يطالب بحقه في التنفس، وسيصبح لزاما عليه قبل إسداء النصح للآخرين التوجه للقضاء على العنصرية في بلاده؛ وهي أشنع صور الاستهتار بحقوق الإنسان، والتي يعاني منها المجتمع الأميركي، كما عليه وضع حد للانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان المتفشية في أجهزة إنفاذ القانون الأميركي، وقبل أن يفعل ذلك فإنه لا يجب أن يتجرأ على مطالبة أي دولة في العالم في هذا الوقت بالذات، بتطبيق معايير حقوق الإنسان كما تفهمها أميركا، تجنبا لتعرضه للتشكيك والتهكم وحتى السخرية، أو الاتهام بالنفاق والتناقض والازدواجية.


والديمقراطيون في الواقع ليسوا أكثر غيرة وحرصا من غيرهم عل حقوق الإنسان في المنطقة؛ وإلا لكنا قد سمعنا صوتهم يرتفع ويزأر عندما كانت تتم أمامهم ابشع صور الانتهاك لحقوق الإنسان الفلسطيني.


وللرئيس الأميركي الجمهوري الأسبق ريتشارد نيكسون، مقولة مشهورة ما تزال تشكل قاعدة عمل أساسية لدى صناع القرار في الولايات المتحدة؛ عندما قال إن الولايات المتحدة لا تذهب إلى خارج حدودها دفاعا عن الديمقراطية أو الشرعية الدولية أو لمحاربة الدكتاتورية، بل “نذهب إلى هناك لأننا لن نسمح بأن تمس مصالحنا الحيوية”.


والسياسة مصالح كما قلنا من قبل، وفي سوق المصالح كل شيء قابل للمساومة وللتفاوض وللتبادل، والقيم والمبادئ سلع معروضة للتداول وللبيع في ذلك السوق بالثمن المطلوب.


إن علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية الخليجية لا ترتكز على رؤية أو هدف أيديولوجي، وأن المصالح المشتركة للطرفين تقتضي وتفرض عليهما حماية وصون التحالف وتوطيد الصداقة بينهما، وتثبيت هذه العلاقات على قراءة واقعية للمتغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة في السنوات القليلة الماضية، حيث إن مراكز القرار في الولايات المتحدة أصبحت الآن مقتنعة بضرورة تحقيق حالة من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والحفاظ على سلامة نظام الدولة من التصدع خشية استيلاء الجماعات السياسية الدينية المتطرفة على مقاليد السلطات السياسية في هذه الدول، بعد أن أدركت الولايات المتحدة أن هذه الجماعات لا تشكل ضمانا آمنا وموثوقًا للاستقرار، ولا يمكن الاعتماد عليها لتوثيق وتحقيق نمو للعلاقات بينها وبين هذه الدول، وذلك بعد تجربة الديمقراطيين في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما عندما استخدموا هذه الجماعات، تحت ذريعة وشعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، لإثارة حالة “الفوضى الخلاقة” وتأجيج عواصف الربيع العربي التي قضت على الأخضر واليابس في بعض الدول العربية، وأدت إلى انهيار البنية الأمنية ونظام الدولة والمؤسسات في تلك الدول، ما أدى إلى انتقال مركز الثقل السياسي والعسكري والاستراتيجي من مواقعها السابقة في مصر وسوريا بشكل أساسي، إلى الدول الخليجية العربية وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لقد بات على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الدول العربية الخليجية على أساس هذا الواقع الجديد.


وإذا كان الرئيس جو بايدن والديمقراطيون حريصون بالفعل على الإسهام في تحقيق المزيد من التقدم على طريق حقوق الإنسان في منطقتنا، فإن أفضل نهج يمكنهم أن يتبنوه هو السعي لإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية الإسرائيلية، والتعاون مع حكومات الدول الخليجية على استتباب الاستقرار، وإشاعة جو الثقة، ومحاربة قوى وتيارات التعصب والتطرف والإرهاب في المنطقة، ولجم أطماع وتدخلات دول الجوار في شؤونها الداخلية؛ عندها فإن هذه الدول ستكون قادرة على الاستمرار في اتخاذ المزيد من الخطوات والمبادرات الهادفة إلى تعزيز وتوطيد قيم وممارسات حقوق الإنسان في المنطقة.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .