العدد 4444
الإثنين 14 ديسمبر 2020
السكوت علامة الخبث أم الحياء؟
الإثنين 14 ديسمبر 2020

الروحُ تحبُ الأرواحَ وتتآلفُ معها، والفرد لا يستطيع العيش بلا جماعة؛ ليشكل ما يعرف بالمجتمع الذي يشعرُ بالانتماء إليه ويتآلفُ مع أفراده ويعمل جاهداً على بنائه وتقديم الخدمات المتعددة لجُلِّ فئاته حسبَ اختصاصه ومهنته، بل ويتعصبُ له أحياناً ويدافعُ عنه أحياناً أخرى.


ويتمتعُ الأفرادُ بتلك السمات البشرية التي تؤدي بهم إلى التضامن والتعاون والتآلف، تلك السمات التي تمكنهم من بناء المجتمعات وخدمة الدين والأمة وضمان العيش المشترك والسلم والأمن والاستقرار. ولكل قاعدة شواذ؛ فهناك من يُحسبونَ على المجتمعات، لكنهم  وباختيارهم، منفصلونَ تماماً عنها، هؤلاء المنفصمون عن المجتمع، يجلسون معكم في مواقع العمل وأنتم في حالةٍ من البهجةِ والنشاط تحتفلون بذكرى سعيدة، أو تتبادلون حديثاً شائقاً وقد علتْ ضحكاتكم وتداخلتْ أصواتُكم، أو طرأَ موقفٌ أحزنكم تجاهَ زميلٍ لكم؛ فقدمتم له الدعم وأعلنتم حالة من الحزنِ تجاهه، ومع ذلك كله ترى هؤلاء المنفصمين يحيونَ في فُقاعةٍ تُحيطُ بهم وحدهم وكأنهم لا ينتمون لمن حولهم، كالأعمى الذي لا يرى والأصمَّ الذي لا يسمع ما يجري حوله.

هؤلاء لا يندمجون مع الآخرين في المناسبات الاجتماعية والدينية، وقد يتهربونَ من إلقاءِ التحيةِ على معارفهم وزملائهم إذا التقوا بهم في الأماكن العامة، وهم أنفسُهم من يُغلقون أبوابَ منازلهم؛ فلا يفتحون أبوابهم للطارقين الذين أتوا لزيارتهم وتفقدِّ أحوالهم أو ليقدموا لهم طعاما، أو ليطلبوا منهم خدمة في الحالاتِ الطارئة.


المنفصمون عن المجتمع يحقدون على أفراده، وينأونَ بأنفسهم عنهم؛ فهم مرضى بالريبة وانتقائيون بطبعهم، هم لا يثقون بالآخرين غالباً، ولا يتحدثون إليهم أبداً، حتى أنهم يُستنطقونَ ولا ينطِقون، ويُؤثرونَ السكوتَ على التجاوب مع الآخرين في حواراتهم، لكنهم بالمقابل يُسجلونَ كلَّ همسةٍ ويرصدونَ كل لمسة، كالماء أسفلَ كومةِ تِبْن، ليصيبوك بالغضبِ أحياناً من بلادتِهم وبرودةِ أعصابهم، ويشعرونك بوجوبِ الحذرِ منهم في أحيان أخرى؛ لظنكَ بأنهم في حالاتِ سكوتهم المريبة يقومونَ بتسجيلِ أقوالك والحكمِ على أفعالك ووضعك تحت الرقابةِ المُشدَّدة، وهم صامتون لا ينبسونَ ببنْتِ شفة، فهل سكوتُهم ضربٌ من الخجلِ والحياء، أم نوعٌ من الخبثِ والدهاء؟.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية