العدد 4453
الأربعاء 23 ديسمبر 2020
مثقفون ورق!
الأربعاء 23 ديسمبر 2020

يدعي البعضُ امتلاكَهم الثقافة، وأنَّ لهم الغلبةَ على الآخرين في تلك الخاصية التي ينفردون بها عن سواهم، أولئك الذين يفتقرون لأدنى مستوى من الثقافة والمعرفة، فهل هم مثقفون كما يزعُمون، أمْ أنَّ ثقافتَهم حبرٌ على ورق؟
من الذي أوهمَ هؤلاء أنَّهم مثقفون، لأنهم يمتلكونَ شهاداتٍ جامعية أو أنَّهم قرأوا كتاباً هنا ومقالاً هناك أو اقتنوا كُتباً لكاتبٍ مرموق أو ديواناً لشاعرٍ يُشارُ له بالبَنَان؟ من أقنعَ بعضَ الشباب أنهم مُدرجون في زمرةِ المثقفين فقط لأنَّ لديهم ميلاً للقراءة؟


ما كُلُ ما يُقرأُ يستحقُ أنْ يُضافَ لحصيلتنا الثقافية، وليست القراءةُ وحدها مصدراً من مصادر الثقافة؛ فالثقافةُ في اللغة تأتي من الفعل “ثَقَفَ”، بمعنى هذَّبَ وعالجَ السيفَ أو الرمحَ حتى صار حاداً لامعاً وفاعلا؛ فالمرءُ لا يكونُ مثقفاً إلا بعد تشذيبِ فِكرهِ وتهذيبِ أخلاقهِ وسلوكه حتى يُصبحَ فاعلاً في مجتمعهِ مُنتجاً في محيطه. الثقافةُ والحضارةُ صِنوان لا ينفصلُ أحدُهما عن الآخر؛ فلا معنى لكونكَ مُثقفاً وأنتَ لا تتسمُ بسلوكٍ حضاري مع شركائكَ في الدين ونُظرائِكَ في الخَلق.


الثقافةُ هي الموروثُ الفكري والاجتماعي والجمالي والإنساني لشعبٍ ما، يُعبِّرُ عن هُويَتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولغتِهم التي يختلفونَ فيها مع الشعوبِ الأخرى، وعلى الرغمِ من كل ذلك فإنَّ البشرَ يشتركون في بعض مقوماتِ الثقافة، فهناك أكثرَ من لغةٍ تجمعُنا، فالموسيقى لغة، والطفولةُ لغة والحبُ لغة، نشترك جميعاً في فهمها وتبادلها.


وبناء على ذلك نقول، ليست الثقافةُ براوياتٍ نقرؤها أو أبياتِ شعرٍ نحفظُها، بل هي إرثٌ حملهُ لنا الأجدادُ لنورِّثهُ للأبناء ولم نخترعهُ نحن بأنفسنا وإنْ أضفنا عليه وحسنَّا في بعضِ جوانبه، وهنا يكونُ ادعاءُ الثقافةِ مردودٌ على البعض؛ إذ يُدحِضُ ادعاءَهم هذا عدمُ إلمامهم بشتى جوانب المعرفة، وجهلِهم الفاضح بثقافةِ المجتمعِ الذي ينتمون إليه وافتقارِهم التواضعِ واستعلائهم على غيرهم الذين قد يمتلكونَ مقومات الثقافة الحقيقيةِ لا هُمْ.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .