العدد 4475
الخميس 14 يناير 2021
حِسُّ المسؤولية... غائبٌ غيرُ مُستتِر
الخميس 14 يناير 2021

لا أذكرُ أنَّ آباءَنا احتاجوا لاستقدامِ خدمٍ في منازلهم للقيام بأعمالِ المنزل، أو استخدموا سائقاً لقضاءِ مشاويرهم اليومية، أو حتى بنَّاء ليبني منازلهم أو يقومَ بترميمها، كانوا يعتمدونَ على أنفسهم في إنهاءِ أعمالهم، وكانت الفتياتُ في المنزل خيرُ معين لأمهاتهن، والصبيةُ يقومون بأعمالِ الصيانة والترميم مع آبائهم، كان الجيرانُ يُدْعونَ لأعمال البناء في بيت جارهم بجدٍ ونشاط وبلا مقابل، أما اليوم فلمْ يعدْ الشبابُ أهلاً للمسؤولية، بل أصبحوا يعتمدون في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ على ذويهم، بدل أنْ يعتمدوا همْ عليهم، فكيف وصلَ بنا الحالُ إلى ما هو عليه الآن؟

“إنَّ الله لا يغير ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم”، فقد تبدَّلَ الحالُ مع الطفرة الصناعية والاقتصادية التي أحدثها اكتشافُ النفط في القرن الماضي، وازدادَ دخلُ الفرد عما كان عليه سابقاً، فتمدَّدَ العمرانُ وتوسعت دائرةُ الاستهلاك، وطرأتْ الحاجةُ لاستقدامِ العمالة الوافدة بالمنازل والمؤسساتِ الخاصة والحكومية، ما أدى بنا إلى الاعتماد على تلك العمالةِ للقيام بأعمالنا وحمَّلناهم مسؤولياتٍ هي من صُلبِ مسؤولياتنا، ثم جعلنا نشتكي البِطالة، ونتباكى على جيلٍ لا يملكُ حسَّ المسؤولية، وهو الذي تربَّى مُنعماً على دلالِ الوالدين، مخدوماً مُرفهاً على أيدي الخدمِ والحشم، ولمْ يقتصر ذلك على الحاجات الأساسية، بل تعداها للتعليم، فصار الوالدان يستقدمان العمالةَ بالمنزل لتقومَ بالتعليم والتربية كذلك، كيف بالله قد يتحملُ هؤلاء الأبناء مسؤوليةَ أعمالِ المنزل ومعاونة الوالدين، وهم عاجزونَ حتى عن الاعتمادِ على أنفسِهم في أتفهِ الأمورِ اليومية.

وإنْ كانت ظاهرةُ “غيابِ الحِسِّ المسؤول” عامةً تفشتْ في مجتمعاتنا، إلا أنها تبدو واضحةً جليةً لا يمكن نُكرانها لدى جيلِ الشباب الذي ينأى بنفسهِ عن الاضطلاعِ بأي نوعٍ من أنواع المسؤولية، فتجدهُ مُحجِماً عن المشاركةِ في الأعمال التطوعية أياً كان شكلُها، ناهيكَ عن انعدامِ رغبته في تحملِ المسؤولية تجاهَ أمتهِ ووطنهِ، هؤلاء العاقُّونَ لآبائهم وأوطانهم، هم أيضاً عازفونَ عن تحملِ مسؤوليةِ زوجٍ وأبناء، مفضلينَ الحريةَ على الدخول في عُشِ الزوجية القائمِ على العهودِ الوثيقةِ والاعتماد على النفس. ولكي لا نظلمَ فئةً وننسى أخرى، فكلُنا بِتْنا نفتقرُ لهذا الحس، ونمضي في حياتنا الخاصةِ لا نُعيرُ اهتماماً لما يجري في المجتمعِ من حولنا، نرى المنكرَ ولا نُدافعه، والمعروفَ فلا نُشجعُ عليه، وباتت شؤونُ الآخرين لا تعنينا، وحاجةُ الفقيرِ لا تُهمنا، وما يجري على الجارِ ليس في دائرة اهتماماتنا. “ما يخصنا”، هي العبارةُ التي تكشفُ بجلاءٍ غياب حِسِّنا بالمسؤوليةِ تجاهَ الآخر غياباً غيرَ مُستتر.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .