+A
A-

سناء شافع.. عيون المسرح التي تنظر إليك

ارتميت على أول كرسي لمحته بجانبه قبل دخولنا مسرح الأوبرا الكبير لحضور الحفل الختامي للدورة 11 من مهرجان المسرح العربي، الذي أقامته الهيئة العربية للمسرح بجمهورية مصر العربية في الفترة من 10 – 16 يناير 2019. جلست ومددت يدي.. مساء الخير أستاذ سناء.. أسامة الماجد فنان وكاتب وصحافي من البحرين.. رد السلام وصافحني بحرارة وقال: أهلا بيك وبأهل البحرين الأعزاء... "لي صحاب وأحباب من البحرين زمان ما شفتهم".
بعدها، شعر هذا الفنان الكبير (؛حمه الله) بالشوق في عيني ولهفتي إلى التحدث معه عن المسرح وغيره، وبالفعل بدأت "أدردش" معه عن الحركة المسرحية العربية ومستوى النشاط الخلاق والمتميز في البحرين ودول الخليج، ودور المهرجانات المسرحية في لم الشمل والتلاقي والتلاقح وتبادل الخبرات، ثم صارحته بإعجابي الشديد بدوره في فيلم "حتى لا يطير الدخان" مع النجم عادل إمام، وكذلك دوره في فيلم "الموظفون في الأرض" مع القامة ووحش الشاشة فريد شوقي، ودور سعد كمال في مسلسل "دموع صاحبة الجلالة".
كانت هذه أول وآخر مرة التقي بالفنان سناء شافع، الذي علمنا أن للمسرح رهبة خاصة؛ كونه في الأصل خلوة بين الإنسان ونفسه، ومجابهة لها في خيرها وشرها، في تمرغها وتصعيدها، وفي شتى تباريح تجربها الكبرى. علمنا سناء شافع أن للمسرح سحره الخاص يختلف عن السينما والتلفزيون وله التفوق دائما في ساحة المزاحمة، متسلحا بالخشبة السحرية وجمهوره، الذي يتكاثر في الزمان الحديث ولا يقلص، جمهور التأمل والاستغراق.
لقد ترك سناء شافع أعمالا كان لها أثر واضح على العديد من الأجيال الفنية، فإذا كان لكل كاتب مسرحي وسائله أو حيله الفنية في نقل المعلومات أو تنمية الصراع، فإن شافع تميز عن غيره بتقديم شكل فني ممتع ومؤثر وجميل ذو بعد فلسفي.
تلميذه الناقد المسرحي البحريني القدير يوسف الحمدان، الذي تتلمذ على يديه أثناء دراسته بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت من العام 76 حتى 1980 يقول:
"الأكثر تأثيرا على حياتي المسرحية أثناء الدراسة بالمعهد وبعدها هما أستاذ النقد المسرحي الدكتور أمين العيوطي وأستاذ التمثيل والإخراج الدكتور سناء شافع، فإذا كان الأول استفز خلايا التحليل والتفكيك لدي في مادة النقد؛ نظرا لعمق ثقافته وفكره وقدرته على استثمارهما في محاضراته ودراساته النقدية وتوريطنا نحن دفعة النقد في استثمار ذلك السخاء الثقافي النقدي في رؤانا واجتهاداتنا النقدية التي نقترحها من خلال مادة النقد التطبيقي بعد مشاهداتنا للعروض المسرحية، فإن الثاني الراحل الباقي الدكتور سناء شافع كان تأثيره يشمل حياتي المسرحية كلها".
وأضاف "من خلال أستاذي الدكتور سناء شافع تجاوزت منطقة السياج الأدبي المؤسس لكتابة النص المسرحي، الذي جذبنا إليها بمنهجية صارمة أستاذي الدكتور محمد حسن عبدالله في مادة (الكتابة الدرامية)، الذي وجد فيني المؤلف قبل الناقد من خلال النصوص التجريبية الأولى التي قدمتها في هذه المادة، إذ مع الدكتور سناء أجبرت على أن أخضع هذا النص المقدس لمشرط التشريح والتفكيك وإعادة كتابته لأكثر من مرة في معمل الرؤية الاختبارية التي تقتضي قراءات أخرى متحولة ومتجددة وكما لو أنك تكتب هذا النص بلغة الفعل والصورة والمتخيل، هي لغة البحث عن مناطق استكشافية أخرى في الكتابة الفعل أو المتخيل المرئي".
هذا هو الفنان سناء شافع (رحمه الله)، الإنسان المعزول في قمم الإبداع، وحامل نداء الصفاء والتمتع بمرح الحياة فوق خشبة المسرح. المسرح الذي دخل فيه وأغلق الباب من الخارج بالمزلاج وكان يعرف أن هناك جرس تالف لا يصلح للاستعمال.