العدد 4482
الخميس 21 يناير 2021
نقطة ارتكاز د. غسان محمد عسيلان
مملكة البحرين... الحضارة والتاريخ
الخميس 21 يناير 2021

ربما يظن البعض أن مملكة البحرين حديثة النشأة، وأن تاريخها يعود إلى بضعة عقودٍ قليلة مضت، لكن هذا غير صحيح، فالبحرين تمتلك تاريخا طويلاً وإرثاً حضارياً حافلاً يتمثل في حضارة دلمون القديمة التي ترجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد. في خمسينيات القرن العشرين الميلادي قام فريق من علماء الآثار الدنماركيين بعمل حفريات ودراسات أثرية في مملكة البحرين، واكتشفوا أنها مهد حضارة "دلمون"، وقد عُرف اسم هذه الحضارة القديمة قبل ذلك بنحو مئة عام بحسب مصادر تاريخية كثيرة، لكن مكان وجودها ظلَّ يحيِّر علماء الآثار نحو قرنٍ بأكمله.

وتفيد الدراسات التاريخية بأن لفظ "دلمون" ظهر في العديد من الحضارات القديمة مثل الحضارة: الآشورية، والسومرية، والبابلية، والأكادية، وساعد على قيام حضارة في دلمون وجود مصادر متنوعة للماء العذب، بالإضافة إلى توافر الإمكانيات الطبيعية الأخرى التي مكَّنت أهلها من حياة الاستقرار وبناء حضارة خاصة بهم.

وشملت حضارة دلمون الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وامتدت لسلطنة عمان وأبوظبي، لكنها خضعت لسيطرة حكام بلاد الرافدين، وقيل إن السومريين لقَّبُوا دلمون بأرض الفردوس، كما أكدت المصادر التاريخية اتصال حضارة دلمون مع المراكز الحضارية المعاصرة لها، حيث اتصلت مع حضارة وادي الرافدين، وحضارة السِند، وظهر في كتابات بلاد ما بين النهرين أن حضارة دلمون كانت تحتكر تجارة النحاس في تلك الفترة.

لقد حبا الله تعالى مملكة دلمون بوفرة من الماء العذب من خلال العيون الكثيرة، كما اشتهرت بخصوبة أراضيها، وكثرة وتنوع محاصيلها وخصوصاً التمر، وكان للبحرين مركزٌ تجاريٌّ مهمٌّ بين الحضارات الأخرى، فقد كانت تملك ميناءً تمرُّ من خلاله البضائع التجارية، وهناك العديد من الآثار لمعاملات تجارية تُثبت أن دلمون كانت مقصداً للتجار من بلاد ما بين النهرين، حيث كانوا يأتون للحصول على كل أنواع البضائع الموجودة التي اشتهرت تلك المنطقة ببيعها، مثل: النحاس والأخشاب، والأحجار الكريمة، والخرز الملون، واللؤلؤ، والعاج، والبخور، ومنتجات الصوف، إضافة إلى الزيوت النباتية، والذهب، والفضة، والنحاس الذي كان السلعة الرئيسة في تجارتهم، كما اشتهرت مملكة دلمون بصناعة الفخار والأواني الخزفية وكذلك الأواني المصنوعة من النحاس.  

عرفت حضارة دلمون العمارة التي ظهرت في بناء المعابد فوق التلال، مثل معبد "باربار" كما قام سكان دلمون ببناء المقابر على شكل تلال صخرية، وأبدعوا في الرسم على جدران المعابد والمقابر، بالإضافة إلى الرسم على القطع الفخارية، ومن أبرز الحرف التي مارسها سكان مملكة البحرين في عهد حضارة دلمون حرفة الصيد، واشتهروا بصيد الأسماك واللؤلؤ.

وتذكر بعض المصادر أن أهل دلمون كانوا يقومون بعمليات المقايضة التجارية في تلك الحقبة من التاريخ، حيث كانوا يلعبون دور الوسيط ما بين بلاد الرافدين ووادي النيل، وقد ازدهرت تجارة دلمون بشكل أكبر بعد سقوط حضارة السِند على أيدي الغزاة الآريين، إلا أن انقطاع الموارد التجارية قد تسبب في ضعف تجارة دلمون حتى استعاد الآريون العلاقات التجارية مع منطقة الخليج.

وقد وجد الباحثون الكثير من البقايا الأثرية التي تتمثل في الآنية الحجرية، والآنية الفخارية كالجِرار التي كُتبت عليها بعض النصوص المسمارية، كما عثر الباحثون على عدد كبير من الآثار التي تتمثل في الأختام والأوزان الحجرية، وكانت تستخدم الأوزان لتسهيل عملية التبادل التجاري، وضبط عملية المحاسبة التي تتم بعد تقييم السلعة بالموازين وتحويلها إلى موازين للطرف الآخر، إلا أن أهم ما تم اكتشافه خلال التنقيب هو ورش تصنيع الأختام الحجرية، وتدل جميع تلك الأمور على المستوى الحضاري المتقدم الذي وصلت إليه حضارة دلمون خلال فترة المدينة الثانية.

دلمون، أو أرض الفردوس، أو لؤلؤة الخليج.. أسماء عريقة أطلقت على مملكة البحرين عبر تاريخها الطويل، وتؤكد أنها كانت مركزًا تجاريًّا عامرًا نبض بحياةٍ مفعمة طوال قرون، ولا يزال متحف مملكة البحرين يحتفظ بالعديد من آثار حضارة دلمون ذات الجمال الخلّاب والقيمة الأثرية والتاريخية الكبيرة، الأمر الذي يدعو كل بحريني وكل عربي ومسلم أن يفخر بالتراث التاريخي الغني لمملكة البحرين العزيزة على قلوبنا، ولا تزال بقايا هذا التراث الزاخر تجذب السياح من جميع أنحاء العالم ليشاهدوا عظمة مملكة البحرين على مر التاريخ.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .