العدد 4493
الإثنين 01 فبراير 2021
الثقافة سلاح لمواجهة الغلو والعنف والتطرف
الإثنين 01 فبراير 2021

أتيحت لي فرصة إدارة منتدى حواري، عقد عن بعد، نظمته صحيفة “البلاد”، ونَشرت تفاصيله على منصاتها الرقمية وصفحاتها الورقية يوم أمس، استضافت فيه المدير العام للثقافة والفنون بهيئة البحرين للثقافة والآثار الشيخة هلا بنت محمد آل خليفة، تم فيه استعراض خطة الهيئة للعام الجديد ومناقشة المشهد الثقافي البحريني. وقد شارك في المنتدى عدد من المتابعين والمهتمين والمعنيين بالشأن الثقافي، وكوكبة من قامات الثقافة والفن بمختلف تفرعاتها بلغ عددهم أكثر من 90 مشاركا.

واستعرضت الشيخة هلا في المنتدى أهم مشاريع الهيئة لهذا العام، والتي يأتي على رأسها مشروع “مسار اللؤلؤ” و”أسطول السفن التقليدية” والاستمرار في برنامج صيانة وترميم المواقع التراثية وغيرها من المشاريع والمبادرات، وقد أشاد المشاركون بما حققته الهيئة من إنجازات لافتة ساهمت في الارتقاء بمكانة البحرين التراثية والحضارية.

وكان من أهم الخلاصات التي تمخضت عن نقاشات المنتدى أن الثقافة هي الأداة التي تمد جسور التواصل بين مكونات المجتمع كافة، وهي التي تشيع روح التسامح وقيم العيش المشترك بين مختلف أطيافه، وهي الحصن والدرع الواقي من تهديدات الغلو والتطرف والعنف والإرهاب، بحيث أصبح القلم لا يقل أهمية عن المدفع، والريشة لا تقل تأثيرًا عن البندقية، والمسارح لا تقل فاعلية عن أبراج وأسوار الدفاع، إن مكونات الثقافة الوطنية أصبحت دون شك تشكل أمضى الأسلحة وأكثرها فاعلية ضمن القوة الناعمة في مواجهة تيارات الغلو والتعصب؛ ولذلك فقد انبثق إحساس المشاركين بالمنتدى بالتقدير والثناء والتعاطف مع الهيئة وأهمية دورها ورسالتها وضرورة دعمها، ودعوا إلى زيادة ومضاعفة الاستثمار والمخصصات المالية المرصودة لبرامجها ومشاريعها.

لقد رأى المنتدون أن قضية الثقافة لا تحظى بالقدر الذي تستحقه من العناية والرعاية والاهتمام من قِبَل الدولة والمجتمع، ولا ترتقي إلى قمة أولوياتهما، والأمَرُّ من ذلك هو أن ممثلي الشعب في مجلس النواب لا يكترثون أو يلتفتون إلى هذه القضية التي لم ترد ضمن أي من الأمور التي تصدوا إليها أو ناقشوها.

والثقافة مفهوم واسع يشمل الفكر والفن والأدب والتراث والقانون وغيرها، ويعكس سلوك المجتمع، وهي من أهم وسائل الضبط الاجتماعي، والثقافة لم تعد رفاهية تختص وتضطلع بها النخبة، بل هي ضرورة حضارية لإحداث التغيير وتطوير المجتمعات والارتقاء بأدائها، كما أن الثقافة هي الرافعة الأساسية لرقي المجتمعات ورفعتها، وهي حراك دائم النبض، لا يعرف السكون والجمود، “فمن خلال الحركة والاحتكاك تتولد المعارف”، كما قال أرسطو.

إن المتطرفين والإرهابيين بالتأكيد على عداوة شديدة مع الثقافة، ولأسباب ومبررات معروفة، أهمها أن الثقافة نور وضياء، والتطرف والتخلف والإرهاب آفات تمقت النور، وتتمدد وتترعرع في العتمة والجهل والظلام. والمؤسسة الدينية، وليس الدين، اصطنعت الجفاء والعداوة مع الثقافة في الكثير من تجلياتها، كانت البداية في أوروبا عندما تصدت الكنيسة للإبداع الثقافي والعلمي، ولم تتخلف المؤسسة الدينية الإسلامية، وليس الإسلام، عن ذلك بل زادت عليه منطلقة من قاعدة “كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”، فسعت في عالمنا العربي إلى ترسيخ التفكير النمطي، وحجب الثقافة عن المجتمع، وعزل الفكر العربي عن مسارات الفكر العالمي المستنير، مع أن ديننا الإسلامي واحد من أهم مناهل الثقافة الإنسانية بشكل عام؛ ففي القرآن الكريم المواعظ والقصص (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)، والقرآن زاخر بالعروض الروائية والمشاهد التاريخية التي تروي الأحداث والمواقف التاريخية للأفراد والجماعات، وفيه نجد الحث على البحث عن أسرار الكون والحياة والموت، ونجد فيه تسجيل ورصد لسعي البشرية، منذ بدء الخليقة، لفهم الذات الإلهية، ذلك الفهم الذي اكتمل بنزوله؛ حيث جاء فيه قول الله سبحانه وتعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم”.

وواضح أن الأسس الدينية والإيمانية ليست في تنافر أو تصادم أو تناقض مع الثقافة ولا مع أي من صورها أو تجلياتها، بل إن النزعات الدينية تعمل على إعلاء القيم الثقافية، مع ذلك فقد أوقعَنا مفسرو التراث في حصار اختياري، وفي صراع مفتعل مع الحداثة والتطور، وفي مأزق ثقافي وحضاري كبل وشل عقول مفكرينا ومثقفينا العرب ودجن أفكارهم وأقلامهم، إلا أن ذلك، على حقيقته ومرارته، لا يُخلي طرفهم، ولا يبرر استسلامهم، ولا يعفيهم من المسؤولية، لذلك فإن الدعوة باتت ملحة لاستصراخهم ولاستنهاضهم ولدعوتهم لكسر قيود وحواجز الخوف والتردد والخروج من زنازين الركود والجمود.

إن بعض المفكرين والمثقفين العرب أصبحوا يسيسون قضية الثقافة ويضعون اللوم على حكوماتهم لتبرير تقاعسهم، ويتذرعون بضيق مساحة الحريات التي تتيحها حكوماتهم، وكأن الإبداع الفكري والفني يحتاج إلى رخص تصدرها الحكومات، أو ومساحات توفرها، أو أنه يتحقق عن طريق قرارات حكومية.

إن تخلي المثقف عن دوره يعتبر جريمة في حق مجتمعه، لقد أمر الزعيم الفاشستي موسوليني باعتقال الفيلسوف والمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي وأصدر حكمًا بسجنه 20 عامًا إلى أن مات في سجنه، لأنه دعا المثقفين الإيطاليين إلى عدم التخلي عن دورهم ومسؤولياتهم لأنهم “يشكلون الأسمنت العضوي الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية”. وغرامشي هو مؤسس مفهوم “الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في مجتمع رأسمالي” إلا أن هذا المفهوم أثبت أنه كان خاطئ من أساسه، فأنظمة الحكم التي حاولت السيطرة على الثقافة فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق ذلك، وكانت لمحاولاتها نتائج عكسية، ولم تتمكن من البقاء، فكان سقوطها مدويًا، والحقيقة إن الأنظمة الحاكمة في أي مجتمع لا تستطيع التحكم في الثقافة، وهي غير مسؤولة وليس بوسعها أو مقدورها صناعة المثقفين، فهذه مسؤولية المجتمع، فالمثقف صاحب مشروع، وليس مجرد إنسان مطلع على مختلف صنوف وفروع المعرفة، وهو ذخيرة الأمة ورصيدها وسندها عند النكبات والأزمات.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .