العدد 4499
الأحد 07 فبراير 2021
ليس بحاجة إلى إصلاح أو تجديد
الأحد 07 فبراير 2021

في حومة الارتباك والفوضى الفكرية التي ما تزال تعصف بالعالمين العربي والإسلامي، وعلى ضوء انغلاق الأفق المعرفي، والتقهقر والتأزم الذي ما فتئ يلقي بظلاله على كل محاولات النهوض الحضاري المنشود، أخذت الكثير من الأصوات الإسلامية تلقي اللوم على الدين الإسلامي، وترتفع مطالبة بإجراء مراجعة وإصلاح وتجديد للمنظومة العقائدية وللخطاب الديني الإسلامي.

إن الكثير من الذين يرفعون هذه الدعوة إنما يسعون في حقيقة الأمر إلى توظيف وتطويع الخطاب الديني الإسلامي، وتحويله إلى منبر أو سلم للتسلق والصعود للوصول إلى عروش الحكم وكراسي السلطة، فهذه الدعوة بالنسبة لهؤلاء ولغيرهم من المتأسلمين السياسيين والسياسيين المتأسلمين أصبحت بكل وضوح “كلمة حق يراد بها باطل”.

والإصلاح لغة هو تنقية الشيء من الشوائب والفساد، وتغيير الأحوال من السيئ إلى الأحسن، ومن الاعوجاج والمخالفة إلى الاستقامة والالتزام؛ والإسلام كمضمون وعقيدة لا يخالجه أو يعتريه فساد، ولا يعاني من أي خلل أو اعوجاج أو عوار أو نقص أو قصور؛ فقد حسم الله سبحانه وتعالى هذا الأمر عندما قال: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا”.

وعليه فليس ثمة حاجة ملحة تدعو إلى شيء اسمه الإصلاح والتجديد، فقواعد الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية راسخة ثابتة في صلب العقيدة الإسلامية؛ من أبرزها قاعدة “لا إكراه في الدين” و ”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. وضمن وظائفه الحقيقية فإن الإسلام لا يعاني، مثل غيره، من الجمود والتصلب والتحجر، والعقيدة الإسلامية قادرة على تحقيق وتلبية مصالح واحتياجات المسلمين الروحية والإيمانية والعقائدية، ومنظومة القيم والتشريعات الإسلامية وافية ومتكاملة ومتمكنة من الاستجابة لمتطلبات العصر، وهي تملك القواعد والأدوات والمبادئ التي تجعلها جديرة بصوغ رؤى فقهية مواكبة لروح ومسار العصر.

إن الفقه الإسلامي يتكون، كما هو معروف، من بعض الأحكام التي تعتبر أحكاما قطعية الثبوت والدلالة، وهي محصنة لا يمكن تغييرها أو تجديدها، أما باقي الأحكام فإن أمام الفقهاء أبوابا مفتوحة ومساحات وفسحا واسعة للتكييف ومراعاة ظروف الزمان والمكان، ولهذا الغرض فإن الإسلام غني وزاخر بالقواعد والمبادئ والأدوات التي تتيح للفقيه استنهاضها لتكييف وتطويع النص عند الحاجة؛ بحيت يتلاءم مع مقتضيات العصر، وكل هذه الأدوات راسخة على قاعدة “لا يُنكَرُ تغيُّرُ الأحكام بتغيُّر الزمان”.

وبهذا الشأن تجدر الإشارة إلى الحديث النبوي الشريف، البالغ الأهمية والدلالة، الذي روته أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها) عندما قال لها الرسول الأعظم (عليه أفضل الصلاة والسلام): “يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا...”.

إن الذي يحتاج إلى التفكيك والإصلاح ليس الإسلام أو الخطاب الديني الإسلامي؛ بل هي المؤسسة الدينية الإسلامية، التي هي في أمس الحاجة إلى عنوان جديد، وإلى إعادة إنتاج وهيكلة وتموضع، بما يؤدي إلى تمكينها من تأدية أدوارها ووظائفها الحقيقية، وحماية وصون مكانتها الروحية، وضمان ابتعادها وتخليها عن التدخل والتوغل في الميدان السياسي والشأن العام للمسلمين، والتضخيم المفرط لموقعها في حياتهم، بحيث تبقى واحدة من المرجعيات الوطنية؛ وهي المرجعية العليا لمن هم في حاجة إلى التأطير الديني لممارساتهم و لقيمهم الإنسانية.

وكما هو حال المؤسسة الدينية المسيحية، فإن المجتمعات في الدول العربية والإسلامية قد تجاوزت الحاجة إلى الدور الإداري والسياسي للمؤسسة الدينية الإسلامية، فهذا الدور أصبح منوطًا بمنظومة المؤسسات المدنية والدستورية الوطنية الجامعة، التي ترتبط بآلية من مفاهيم الحقوق والواجبات ومن المبادئ والقيم الإنسانية المشتركة المبنية على أسس التعايش والتعاون والاحترام المتبادل.    

و ”الإصلاح” في سياق الخطاب الإسلامي هو تعبير مستعار ومستنسخ ومترجم من كلمة Reformation التي تم تداولها في القرن السادس عشر كوسيلة لإصلاح المؤسسة الدينية المسيحية في أوروبا، وليس لإصلاح الدين المسيحي، بعد أن انزلقت الكنيسة إلى هاوية الفساد، وتمادت في سطوتها وسيطرتها وتسلطها، وتدخلت في تعيين وتنصيب الملوك، فخرج من تحت عباءتها عدد من رجال الدين البارزين طالبوا بإصلاحها، واتهموا بالكفر والهرطقة وأعدم الكثيرون منهم، إلى أن جاء المصلح مارتن لوثر الذي صب انتقاده على ممارسات الكنيسة، ووجه ضربة قاصمة لتعسفها وطغيانها ومتاجرتها بالدين، ما أدى إلى انقسامها إلى نصف كاثوليكي وآخر بروتستانتي، كما أن كبار المفكرين في أوروبا لم يركزوا على الدعوة إلى إصلاح الدين المسيحي، بل شددوا على ضرورة إصلاح الكنيسة وإزاحتها عن موقع التحكم والتسلط على المجتمع، ولم تنجح كل هذه المحاولات، ولم تتمكن أوروبا من الانتقال من مرحلة التخلف وعصر الظلمات إلى مرحلة التقدم وعصر التنوير إلا بعد أن تم إقصاء وإزاحة الكنيسة وإبعادها عن التدخل في شؤون المجتمع والدولة، عندها فقط استطاعت أوروبا الانطلاق نحو آفاق العلم والنهضة الحضارية والصناعية والعمرانية.

وعلى المؤسسة الدينية الإسلامية أن لا تقع في الخطأ الذي وقعت فيه المؤسسة الدينية المسيحية في أوروبا التي فقدت مكانتها وهيبتها في المجتمعات الأوروبية بشكل خاص وبين معشر المسيحيين عمومًا، إلى أن أصبحنا اليوم نرى نتائج سلوكها وممارساتها في ابتعاد أتباعها، بفرعيهم الكاثوليكي والبروتستانتي، وانفضاض المؤمنين المسيحيون عن الكنائس في أوروبا والعالم الغربي، بحيث لم يبق الآن سوى 2 %؜ فقط من المسيحيين في أوروبا يرتادون الكنائس، وبالنتيجة فإن آلاف الكنائس اضطرت إلى الإغلاق وبمعدل 250 كنيسة في العام خلال العقدين الماضيين، تحول أكثرها إلى مطاعم وحانات ومراكز عبادة لأديان أخرى وخصوصًا الدين الإسلامي، ففي تقرير نشر في العام 2016 أكدت مجموعة “كريستيان ريسيرج” المهتمة بشؤون المسيحيين في بريطانيا، إنّ أكثر من 10 آلاف كنيسة أغلقت أبوابها في بريطانيا وحدها منذ العام 1960، وأنه من المتوقع أن يتجاوز عدد الكنائس التي ستغلق أبوابها إلى 4 آلاف أخرى مع حلول العام 2020؛ وهذا ما حصل بالفعل.

وليس المقصود هنا الدعوة إلى التدخل في شؤون المؤسسة الدينية الإسلامية بنية أو بحجة إصلاحها، بل إن الأفضل هو ترك هذا الأمر إلى القائمين عليها، فهم أدرى وأقدر على القيام بذلك، وعليهم تقع مسؤولية حمايتها من مزايدات وأطماع المتأسلمين السياسيين والسياسيين المتأسلمين الذين يسعون إلى تحويل الإسلام من جسر للإيمان والصفاء والمحبة والنقاء إلى معبر أو نفق يتسللون من خلاله إلى السلطة وإلى التسلط والسيطرة؛ متناسين أن الله قد نهى حتى نبيه عن السيطرة قائلًا “إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر”، صدق الله العظيم.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .