العدد 4508
الثلاثاء 16 فبراير 2021
الإسلام وتهمة العنف والإرهاب
الثلاثاء 16 فبراير 2021

قبل بضعة أيام أعلن المذيع الكويتي المعروف محمد المؤمن تحوله عن الإسلام واعتناقه الدين المسيحي، وخلال الفترة نفسها أعلنت الفنانة بسمة حميد المعروفة فنيًا باسم “بسمة الكويتية” تركها الإسلام واعتناقها الديانة اليهودية، وتشهد كردستان بالعراق الآن تزايدا ملحوظا في عدد المسلمين الأكراد  الذين يتحولون إلى الديانة الزرادشتية، وهي ديانة الفرس القدماء، وهذه مجرد أمثلة محددة برزت مؤخرًا في وسائل الإعلام، وبدون أي محاولة للتضخيم والمبالغة هناك أيضًا أعداد كبيرة من المسلمين توجهت وتتوجه للإلحاد، ونحن هنا لا نريد أن نستنكر مثل هذه التحولات والتوجهات، ولا نطالب بالتصدي لها، بل اننا نقف في صف المؤمنين بأن حرية الاعتقاد مكفولة للجميع، وتعتبر من أهم قواعد وركائز الإسلام لقوله سبحانه وتعالى: “لا إكراه في الدين”، وقوله: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

ومع ذلك فليس من الحكمة التغافل عن حقيقة أن العامل المشترك وأبرز الدوافع الأساسية التي تقف وراء هذه الظاهرة هو أن الكثيرين أصبحوا يعتقدون ويتهمون الإسلام ويصفونه بأنه أكثر الأديان نزوعًا للعنف والقتل والإرهاب، وإن القرآن الكريم أكثر الكتب الدينية حفاوة ودعوة للحروب والاقتتال؛ إلى أن تحولت هذه المقولة إلى قناعة تجذرت وترسخت في وعي قطاعات من مجتمعاتنا ومن المجتمعات الغربية وغيرها. وهذا بدوره ناتج في الأصل عن ما يقترفه، باسم الإسلام، نفر قليل من المسلمين المضلَلين والمغرر بهم، أو من المتأسلمين، من أعمال عنف وإرهاب في أوطانهم أساسًا، وفي مختلف بقاع الأرض أحيانًا.

في هذه الوقفة القصيرة لن نستطيع ولن نجادل أو نحاول لجم هذه التهمة وإثبات خطأ هذا الاستنتاج، مع أن الإسلام، ومن خلال القرآن لم يدعُ إلى الحرب إلا في حدود ضيقة وفي حالة الدفاع عن النفس، وأنه رفض الاعتداء، وجعل من  السلم الخيار الأفضل والأساس الأصلب للعلاقات بين الدول والمجتمعات، وقد قال سبحانه وتعالى: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وقال أيضًا: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”.

إننا سنكتفي وسنسعى في هذه الوقفة إلى إثبات أن الإسلام، أقل وأدنى، ولم يكن أكثر الأديان نزوعًا للعنف والقتل والإرهاب وأن القرآن ليس أكثر الكتب الدينية حفاوة ودعوة للحروب والاقتتال.

وقد ذكر مؤخرًا المؤرخ والأستاذ الجامعي البريطاني المعروف فيليب جينكينز في مقابلة أجرتها معه الإذاعة الوطنية العامة، وهي شبكة إعلامية أميركية تضم  900 محطة إذاعية: “إن العنف الدموي في القرآن أقل بكثيرٍ من دموية الكتاب المقدس، وإن القرآن أقل عنفًا منه؛ إذ تدعو التعليمات الصريحة الواضحة في العهد القديم إلى الحرب، باعتبارها حربَ إبادة جماعية في حين أن القرآن لا يدعو إلى الحرب، وإذا اضطرَّته الظروف إليها، فهي لا تكون إلا حربًا دفاعية”.

إن كل الأديان، دون استثناء تحرص دائمًا على تجنيد واستنفار الطاقات والهمم والعزائم وزجها في ميادين الصراع الأزلي بين الخير والشر، وتحض أتباعها ومريديها والمؤمنين بها على الوقوف إلى جانب الخير والحق ومقاومة الشر والباطل، ونصرة العدالة والإنصاف ومحاربة الظلم والطغيان، والدفاع عن النفس وصد المعتدين. وبذلك أصبح الصراع جزء من تكوين وبنية كل الأديان.

ولنعد إلى الوراء، إلى ما قبل اليهودية والمسيحية

لنرى أن الديانات القديمة مثل ديانات قدماء المصريين والاغريق وغيرها لم تشذ عن هذه القاعدة. إن هذه الديانات لم تترك لنا  كتبًا مقدسة نرجع إليها، بل تركت لنا مدونات محررة وسرديات، أشير إلى بعضها في القرآن الكريم على أنها “أساطير الأولين”؛ والأساطير هي روايات لأحداث تاريخية كما تتخيلها الذاكرة الشعبية، منها أسطورة حروب ملك آلهة الاغريق الإله “زيوس” ضد أبيه الإله “كرونوس” الذي كان يأكل أطفاله خشية قيامهم بقتله والانقلاب عليه.

ومنها مدونات قدماء المصريين عن عصر أو حضارة الفراعنة وهي أول حضارة ارتكزت على أسس دينية، وخاضت الآلهة المصرية فيها حروبًا طاحنة طويلة امتدت لآلاف السنين من أجل حماية الأرض وتوحيدها، برزت فيها شخصية سيدة الحرب الإلهة “سخمت” التي عُرفت بشراستها وحبها للتدمير والانتقام، لتؤسس في وقت مبكر لدور المرأة في القيادة والحياة العامة.

ومنها معارك الإله “أهورا مزدا” في الديانة الزرادشتية، عندما قاتل باقي الآلهة وانتصر عليهم أو همشهم، وأصبح إله الخير الوحيد مؤسسًا بذلك عقيدة التوحيد.

وكتب الهندوس المقدسة مليئة بمشاهد الحروب، وأهمها وأكثرها قدسية كتاب “البغوات غيتا” أو ترانيم الإله، الذي يحث فيه الإله “كرشنا” الأمير “أرجون” على عدم التردد عن خوض الحرب.

وإذا كنا نحن معشر المسلمين نؤمن و نشارك اخوتنا المسيحيين الاعتزاز بما أمر به النبي عيسى المسيح (عليه السلام) عندما قال: “من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضًا، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضًا”، إلا أننا نجد أن “إنجيل متى” في الإصحاح العاشر يروي بأن السيد المسيح قال: “لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، بل سيفًا”.

وعلى ذكر “السيف”، وهو رمز للقتل والحرب، فإن البعض يصف الإسلام بأنه “دين السَيف”، وللسيف في اللغة العربية أكثر من 300 اسم، ولم ترد كلمة السيف أو أي من مترادفاتها في القرآن ولا مرة واحدة، بينما ورد ذكر السيف في الإنجيل أكثر من 200 مرة.

ويؤمن اليهود والمسيحيون بكتاب “التوراة” الذي يشكل أساس الإيمان بالنسبة لهم، ويعتبرونه أهم كتبهم المقدسة، وهذا الكتاب زاخر بصور العنف والإرهاب وقصص القتل والتمييز والسبي والسلب والإبادة الجماعية والانتحار والخيانة والتآمر وقتل الأسرى والنساء والأطفال وحرق المدن وتدميرها، وليس ثمة مجال لدينا لاستعراضها جميعًا، لكننا سنكتفي بالتوقف عند جزء بسيط من مشاهدها.

فقد جاء في سفر العدد الإصحاح 31 الآية (9): “وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم، وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم، وجميع حصونهم بالنار”. وفي السفر والإصحاح ذاته (17/18) هناك أمر واضح بقتل الأطفال الأسرى وبعض النساء: “فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلًا بمضاجعة ذكر اقتلوها. لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيات”.

ويظهر العنف في أبشع صوره في معركة أريحا حيث نزل الأمر بحرق كل ما في المدينة بما فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وحتى البقر والغنم ما عدا “راحاب الزانية”، كما ورد في سفر يشوع الاصحاح السادس الآية (21) “وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف”، (24): “وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها، إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب”.

ولا بد من الإشارة ولو بشكل عابر إلى سفر “إستير” الذي يروي قصة تعرض اليهود إلى مؤامرة لإبادتهم الكاملة عندما كانوا أسرى في بابل، لكن الله أنقذهم، وقلب الوضع لصالحهم، فتمكنوا من قتل 75 ألفًا من أعدائهم والمتآمرين عليهم في يوم واحد، وهي مناسبة يحييها ويحتفل بها اليهود حتى اليوم في شهر مارس من كل عام.

مسكينة الفنانة بسمة الكويتية (وهي ليست كويتية الجنسية) فلو كانت تعرف كل هذه الحقائق لما قالت انها تركت الإسلام واعتنقت اليهودية لأن الإسلام دين إرهاب، ومسكينة أيضًا لأنها تهدف إلى الشهرة لكنها أخطأت الهدف؛ ولم تدرك بأن اليهود لن يرحبوا بها أو يقبلوها في ديانتهم، لأن اليهودية ليست ديانة تبشيرية، ولا يعتبر يهوديا إلا من جاء من رحم يهودي، أي أن أمه يهودية، ولا يعتبر يهوديًا حتى من جاء من صلب أو أب غير يهودي إذا لم تكن أمه يهودية، سامحها الله وهداها سواء السبيل.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .