العدد 4514
الإثنين 22 فبراير 2021
قضايانا المصيرية والتأرجح بين الديمقراطيين والجمهوريين
الإثنين 22 فبراير 2021

بعد الانتهاء من التصويت، وقبل الانتهاء من الفرز وإعلان النتائج وما تبع ذلك من تطورات حولها، رحبنا بالرئيس المنتخب جو بايدن في أكثر من وقفة على هذه الصفحات، وكانت لنا وقتها قراءة للخطوات والسياسات التي من المتوقع أن يتبناها بعد تثبيته، ويبدو أن تلك القراءة لم تكن بعيدة عما هو حاصل الآن.

وفي الأسبوع الماضي انتهت بالفشل محاولة الديمقراطيين الثانية لتجريم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. وقبل يومين بالتحديد، اكتمل شهر واحد منذ أن غادر ترامب البيت الأبيض ودخله الرئيس المنتخب جو بايدن، في اجواء غير معتادة في مثل هذه المناسبة، وأشبه ما تكون بأجواء الانتخابات في دول العالم الثالث بل أسوأ منها؛ فقد اتسمت إجراءات انتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب بأحداث مؤسفة عميقة الدلالات والمعاني، أدت إلى خلخلة هيبة الولايات المتحدة واهتزاز ثقة حلفائها بها، وكان أكثر تلك الأحداث تأثيرًا وأشدها صدمة اقتحام المتظاهرين لمبنى الكونغرس الذي يعتبره الكثيرون رمز أو قلعة النظام الديمقراطي الحر، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل على مستوى العالم بأسره.

لقد ألقى ذلك الحدث بظلال الشك على صلابة النظام الديمقراطي الأميركي، إذ كان بمثابة العصيان على الاستحقاق الانتخابي، والتمرد على النظام السياسي في البلاد من قبل أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب؛ الحاصل على تصويت وتأييد أكثر من 74 مليون ناخب أميركي؛ الذين يشكلون بدورهم ثقلًا وفكرًا يقف وراءه نصف المجتمع الأميركي.

وعندما ينقسم المجتمع بهذه الصورة، وتتناثر الأوراق بهذا الشكل في مشهد سياسي هام يخص أكبر قوة في العالم، فإن ثمة احتمالا قويا لحدوث انعطافات بنيوية أساسية وتطورات مفصلية  تمس وتطال الجميع، وتُنبئ بتغيرات جذرية في مجرى النظام السياسي العالمي

مما يتطلب الاستعداد للتفاعل مع الواقع المرتقب

والتعامل مع أبطال وممثلين جدد سيصعدون على خشبة المسرح السياسي الدولي.

ورغم قناعتنا بخطورة ما حصل، فإننا كأصدقاء وحلفاء للولايات المتحدة واثقون من أنها ستتمكن من تخطي وتجاوز هذه الكبوة، وستعود للإمساك بزمام قيادة العالم؛ لأننا نؤمن بأن النظام الأميركي بمؤسساته وقنواته الدستورية وتراثه الديمقراطي يمتلك الوسائل والآليات التي ستمكنه من تصحيح الإنحراف والعودة إلى المسار الصحيح.

وسنظل من الداعمين بكل قوة لتعزيز وتوطيد علاقات التعاون والتحالف الوثيق بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، إلا أنه أصبح الآن على هذه الدول، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة إخضاع الأسس التي ترتكز عليها علاقاتها بالولايات المتحدة للمراجعة والتقييم الدوري المنتظم على ضوء المستجدات التي أفرزتها التطورات الخطيرة التي شهدتها ساحة الحراك السياسي فيها مؤخرًا، والتي سيكون لها بدون أدنى شك تبعات وترددات مستقبلية؛ بحيث لا تجعل دول المجلس مستقبل قضاياها المصيرية مرهونا بالثقة الكاملة والاعتماد التام على الولايات المتحدة، التي أصبح نظامها الديمقراطي عرضة للتقلب السريع والانحراف الحاد والتأرجح بين السياسات المتضاربة للديمقراطيين والجمهوريين؛ بما يؤدي إلى التلاعب والتفريط بالقضايا المصيرية للشعوب.

وإذا أصبحنا على إدراك تام وقبلنا بواقع أن علاقاتنا بالولايات المتحدة ستبقى خاضعة ومربوطة بمنظومة مصالحها الاستراتيجية بالمنطقة، فهل نحن على استعداد أو قادرون على التكيف والتعايش مع اختلاف وتحول وتقلب نظرة الجمهوريين والديمقراطيين لهذه المنظومة من المصالح؟ ففي حين كانت سياسة المواجهة مع إيران وبيع أحدث الأسلحة للسعودية والإمارات تدخل ضمن نطاق خدمة المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة في عهد الرئيس الجمهوري ترامب؛ فإنها لا تبدو كذلك في عهد الرئيس الديمقراطي الجديد بايدن.

إن التطورات الأخيرة أكدت لنا أن السياسات الأميركية أصبحت عرضة للتقلبات والانحرافات الحادة والمتناقضة، وأن المجتمع الأميركي صار يعاني من التصدع والانشقاق والازدواجية، فأصبح علينا أن نتعامل مع أميركا بواقعها وبوجهها الحقيقي، فهي ليست أو لم تعد دولة المؤسسات والقانون فقط، بل دولة فيها عدد كبير قد يصل إلى نصف عدد السكان على استعداد للانقضاض العنيف على صروح القانون وأقدس المؤسسات الديمقراطية، وهو ليس المجتمع المثالي الذي ينعم فيه الجميع بالعدالة والمساواة فقط بل هو أيضًا مجتمع يشهد تنامي العنف والتطرف، وموغل في التفرقة والتهميش والتمييز ضد الأقليات وعلى رأسها الأقلية السوداء، وسكانها من ذوي البشرة غير البيضاء والذي كشفه مقتل جورج فلويد الأميركي الأسود على يد شرطي أبيض في ولاية مينيسوتا وأشعل موجة عارمة من المظاهرات والاحتجاجات وأعمال العنف والتخريب، التي أبرزت بدورها وبشكل فاضح تورط وضلوع الولايات المتحدة في انتهاكات حقوقية واسعة داخل أراضيها وضد مواطنيها، إلى جانب ارتكابها لخروقات صارخة لحقوق الإنسان في الكثير من تعاملاتها وممارساتها في الساحة الدولية، وسياستها الخارجية الانتقائية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تنحاز وتتمحور بشكل وثيق بمصالحها وأهدافها فقط وليس بالقيم الإنسانية، هذه التطورات والحقائق قوضت مصداقية الولايات المتحده، وستحد دون شك من انشغال بايدن واهتمامه بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان على المسرح الدولي، فهو لن يستطيع أمام الرأي العام العالمي الفصل بين واقع وسجل أميركا الداخلي وسياستها الخارجية.

وعندما نقول ذلك، فإننا  لا نتمنى أن تتقاعس الولايات المتحدة عن الوقوف إلى جانت حلفائها، أو تتخلى عن دعمها للأنظمة الديمقراطية وقضايا حقوق الإنسان، أو أن تصبح مشلولة وعاجزة عن مواجهة الأنظمة الديكتاتورية أو الأوتوقراطية أو الثيوقراطية والتصدي لممارساتها القمعية وخروقاتها وتجاوزاتها المحلية والاقليمية. إلا أن الواقعية والمنطق وضرورة مراعاة مصالحنا تفرض علينا أن لا نضع كل بيضنا في سلة واحدة، ولا نغفل عن البحث في الخيارات والبدائل الأخرى التي قد نحتاج إليها مستقبلًا.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .