العدد 4525
الجمعة 05 مارس 2021
الجسم السليم هو ناتج العقل السليم
الجمعة 05 مارس 2021

من المقولات الشائعة في صحة الجسم وسلامته مقولة "العقل السليم في الجسم السليم"، تلك المقولة التي نشأنا عليها منذ الصغر والتي هي في الأغلب غير مدركة بشكل علمي واضح، لذا فإنّ تلك المقولة قلبت المفهوم الحقيقي للصحة الجسدية من تلك المعنيّة بانعكاس سلامة الروح والعقل على فسيولوجيّة الجسم بالصحة، إلى المقولة المقلوبة المعنيّة بانعكاس صحة الجسد على سلامة العقل مع فصل الروح عن تلك الصحة والسلامة! فكما يظهر من المقولة المقلوبة فإنّ الروح لها مفهوم ليس له علاقة بالجسد، والعقل ما هو إلا تابع للجسد، وهكذا دواليك من مفاهيم ومعلومات منفصلة عن بعضها البعض، يتبناها أغلب البشر بما يمارسون في مضمارهم المحدود بمحدودية نظرتهم إلى أنفسهم، ما خلق ركاكة وضعفا في اتصال البشرية بشكل حقيقي ومتكامل ينتج عنه النمو والتطوّر الإنساني على جميع الأصعدة، ولم لا ونحن في عالم يعيش فيه كل كائن بشري بشكل منفصل عن ذاته، تلك الذات التي هي روحه المبدعة لأنها من نفخ الخالق عز وجل، ابتداء من أول إنسان مجسّد للإنسانية الحقة على الأرض، آدم عليه السلام.

لقد أثبتت مقولة "العقل السليم في الجسم السليم" فشلها في تحقيق الصحّة التكامليّة للإنسان، التي تتجلّى في خلو جسمه من الأمراض المزمنة من داء السكّري وشريان القلب التاجي والسرطان واختلال الغدّة الدرقيّة والصداع النصفي والربو والقرحة المعديّة والزهايمر، والعديد العديد من الأمراض التي بحد ذاتها دلائل على عدم سعادة واتزان ذاتي يتحقق فقط بممارسة الإنسان رسالته في التعمير والتي هي رسالة ضمنيّة وبما في ذلك من توجيه عقله لتفعيل تلك الرسالة الوجوديّة بعيدا عن مشتتّات وآلام العقل المربوطة بشريط برمجته في الست سنوات الأولى من عمره.

فرسالة التعمير الوجوديّة هي البوصلة التي تحدّد موقع كل إنسان في المجتمع الإنساني ليكون منطلقا باتّجاه المستقبل فيما يبدع فيه ويبتكر سواء كان في مجال العلم أو الهندسة أو القانون أو الأدب أو الفن أو الطبخ أو الصناعة أو التكنولوجيا، وما إلى ذلك من جميع مجالات القيم الإنسانية، بعيدا عن العيش بتكرار الماضي وتقليد صنع وإنتاج الآخرين. لقد أثبتت مقولة "العقل السليم في الجسم السليم" فشلها في تحقيق الصحة التكامليّة للإنسان، فكم من بشري اتبع نمط الحياة الصحيّة المتعارف عليه من تناول غذاء صحّي متوازن بعيدا عن السكر الأبيض والطعام المصنّع واللحوم الحمراء والدهون والشحوم، ومارس الرياضة بشكل شبه يومي، ونام مبكّرا بعيدا عن هاتفه الجوّال، وسكن بعيدا عن الملوّثات والإشعاع، وبالنتيجة أصيب بسكتة قلبيّة وهو نائم مثلا، رغم اتباعه إرشادات المتخصصين في غذاء وصحة الإنسان! ذلك أنّ حقيقة الصحّة أعمق من ذلك النظام الصحي، أعمق من إعطاء الجسد مواد وعناصر البقاء من الغذاء، وأعمق من تفعيل دوران الدم في الأوعية بتشغيل مضخّة القلب! إنّ حقيقة الصحّة تكمن في اتساق طاقة قلب الإنسان الذي هو مركز حياته مع طاقة الكون اللامرئيّة المحيطة به، ومن ثم اتساق القلب مع العقل الممثّل بالدماغ المفعّل على هذا النسق، حيث إنّ القلب هو الوسيط الجوهري لذلك الاتساق بين الكون والعقل لأنه مكمن القيمة العليا الذاتيّة للإنسان، أي أولويّة كل إنسان، والتي بها يكون مستقبله المضيء بأثره الصالح، وبها إنسانيّته المتكاملة مع الآخرين، وبها سعادته وسلامة عقله المليء بالأفكار المتوازنة بين التحدّي والإنجاز، أي السلب والإيجاب، التي تنعكس على جسده بتوازن أداء أجهزته الحيوية واتساق وظائفها المفعّلة لصحة وسلامة الجسم، بعدها يتحقق تناول الغذاء الصحي المتوازن واتباع إرشادات النظام الصحي بشكل تلقائي بلا جهد وإجبار، بل بالحب العفوي لأنه وفق قيمة الإنسان الوجودية أولا، فهي منصة الحياة لكل إنسان، بل هي الحياة التي تفعّل المزيد من الحياة فيطول العمر الزمني للإنسان وخلوده بترك الأثر الصالح للحياة، وذلك هو مفتاح إكسير الحياة، الذي هو بحث الإنسان منذ القدم، دعوة إلى التأمل في الذات.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .