العدد 4584
الإثنين 03 مايو 2021
“الصراحة.. راحة أم وقاحة؟”
الإثنين 03 مايو 2021

يتفاخرُ البعض بأنهم صرحاء جداً، ويدَّعُون أنها ميزة يتميزون بها، فيُعبِّرون عما يعتملُ في دواخلِهم دونما حرجٍ أو تردد، هذه الصراحةُ التي تكسرُ خواطرَ الآخرين وتجرحُ مشاعرَهم وقد تُحطِّمُ شخصياتِ بعضهم وثقتَهم بأنفسهم، كيف تكونُ ميزة بربِّكم؟

هؤلاء الصرحاءُ الوقحون يفتقرونَ للحس والضمير الإنساني، ويجهلون آدابَ الحوار، ولا يحيطونَ بعلمِ السلوك الإنساني وأساليبِ التعامل مع البشر، هم أشخاصٌ يدفعُهم غرورُهم واعتقادهم بكمالهم، للحطِّ من أقدار البشر والنظرِ إليهم بفوقيةٍ محضة؛ فلا يستنكفونَ من تصريحهم بمشاعرِ الاشمئزاز من طبعٍ فيك، حتى انهم يقلدونك أمام الآخرين مبدينَ فراغَ صبرِهم من طبعك، أو عدم إعجابهم بالملابس التي ترتديها وقد بجبرونك على خلعها، أو عدم الظهور بها مجدداً، ولا يجدونَ في توبيخكَ بما يشاؤون من الألفاظِ غضاضة، وإنْ تجرَّأَ أحدٌ ما وأوقفهمْ عن فعلتِهم لتشدَّقوا بمقولة “والله الصراحة راحة” وأنهم يقولون الحقيقةَ وينقلونَ الواقع وأنهم لا يدَّعون شيئاً أو يزايدونَ في وصفك، ويظلون يعمهونَ في غيِّهم مادامَ ضحاياهُم ملتزمين الصمت خشيةَ المواجهة. مَنْ حمَّلَ هؤلاء رسالةَ تسليطِ الضوء على الواقع ودعوةَ الناس إلى الحقيقة، تلك الحقيقةُ وذلك الواقع “إنْ صحَّ زعمُهم” لا يخصُّ إلا صاحبه، ولا يجوزُ لفقراءِ الذوق هؤلاء نشرَها على حِبالِ الملأ، وغالباً ما يكونُ الصرحاءُ “كما يُسمُّونَ أنفسهم” مجانبينَ للصواب، ويظنون أنهم على حق؛ فيمارسون طريقتهم في التنمرِ على الغير الذي لا يعجبهم وهم يحسبونَ أنهم يُحسنونَ صنعا. الحقُ أنَّ هؤلاء هم من يستحقُ أنْ نعاملَهم بكلٍ صراحة، وأنْ نصيح في وجوهِهم بحقيقةِ كونهم عديمي الأخلاق والحِس، وأنْ نُوقفَهم عند حدود الأدبِ في التعامل، ونُلزمَهم باحترامِنا وتقديرنا، وتلك هي الصراحةُ التي لا وقاحةَ فيها.. الصراحةُ التي تبني ولا تهدم، وتُقوي العلاقات ولا تقطعها، وتكون نابعة من قلوب مُحِبةٍ راغبةٍ في النهوض بالآخر لا في زرعِ مشاعر النقصِ والإحباط في نفسه، وتلك هي الصراحة التي نرمي إليها أجمعين.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .