العدد 4593
الأربعاء 12 مايو 2021
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الشيخ شمس الدين... لا للقطيعة والمقاطعة
الأربعاء 12 مايو 2021

كما طرحت سابقا عبر تنظير سياسي في كيفية التعاطي للشأن العام، موضحا: أن هناك نظريتين في التعاطي السياسي: نظرية ((القطيعة والمقاطعة)، ونظرية ((التواصل والمواصلة)) مع الدولة. منذ رجوعي للبحرين عام 2002، وأنا أسعى لتأصيلها بعمق فلسفي، وكقناعة سياسية تقوم على الوطنية، و((الواقعية السياسية)) والمصلحة العامة للدولة والوطن والناس. وهذه النظرية اقتنعت بها منذ عام 1996في قم بعد قراءات معمقة في الفلسفة، والعلوم الإنسانية، والنضج النقدي للتراث، والفقه والتاريخ. وسأدعم نظريتي بأدلة علمية فقهية وتاريخية. اليوم سوف أطرح كتاب (الوصايا) للشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأناقشه ببعد أنثربولوجي، تفكيكي عقائدي وسوسيولوجي؛ لأثبت به فلسفيا”، وعلميا أن العلاقة الإيجابية مع الدولة تصب في صالح الوطن، وأن علاقة القطيعة تقود إلى الفتن والمحارق، ودفع الفواتير السياسية.

يقول الشيخ شمس الدين في وصيته للشيعه قبل مماته في باريس في كتاب الوصايا: ((وصيتي إلى عموم الشيعة: أوصي أبنائي وإخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وألا يميزوا أنفسهم بأي تميز خاص، وألا يخترعوا لأنفسهم مشروعا خاصا يميزهم عن غيرهم؛ لأن المبدأ الأساس في الإسلام ـ وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت المعصومون عليهم السلام ـ هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز. وأوصيهم بألا ينجروا وألا يندفعوا وراء كل دعوة تريد أن تميزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات.

إن هذه الدعوات كانت ولا تزال شرا مطلقا، عادت على الشيعة بأسوأ الظروف. الشيعة يحسنون ظروف حياتهم ومشاركتهم في مجتمعهم عن طريق اندماجهم في الاجتماع الوطني العام، والاجتماع الإسلامي العام، والاجتماع القومي العام)) ويقول ايضا: ((فقد ظهرت في العقدين أو العقود الأخيرة من السنين ظاهرة في دائرة الشيعة العرب بشكل خاص، وبدائرة الشيعة بوجه عام، وهي إنشاء تكتلات حزبية سياسية بوجه خاص لغرض المطالبة بحقوق الشيعة، أو إظهار شخصية الشيعة، أو الدفاع عن حقوق الشيعة. وهذه التكوينات ـ بحسب رصدنا لما آلت إليه ـ لم تؤد إلى أية نتيجة تذكر، بل أدت إلى كثير من الأزمات، وعمّقت الخوف والحذر وسوء الظن والتربص في أنفس بقية المسلمين في المجتمع من خصوص طائفة الشيعة، وسعت نحو عزلهم بشكل أو بآخر عن الحياة العامة وعن التفاعل مع نظام المصالح العامة.

هذه التكوينات، تارة يراد لها أن تكون تكوينات ثقافية محضة، وهنا يجب ألاّ يغلب عليها طابع المذهبية التمايزية، وإنما يجب أن تنطلق من رؤية وحدوية إلى الأمة، تعتمد على الجوامع المشتركة ـ وما أكثرها ـ التي تجمع المسلمين فيما بينهم، ولا تركز على خصوصيات التمايز وعلى خصوصيات التباين. وإما أن تكون تجمعات سياسية أو اقتصادية وهذا أمر لا يجوز في نظرنا أن يتم بوجه من الوجوه على الإطلاق. وقد ثبت بالتجربة أن التجمعات الشيعية المعاصرة، من قبيل “حزب الدعوة” وغير “حزب الدعوة”، لم تستطع أن تحقق لنفسها بعدا إسلاميا داخل الطوائف والمذاهب الأخرى، وإنما حققت في أحسن الأحوال تعايشا هشا مشوبا بالشك والحذر)). ويقول: ((وصيتي الثابتة للشيعة العرب في كل وطن من أوطانهم، وللشيعة غير العرب خارج إيران (إيران هي دولة قائمة بنفسها)، أوصي الشيعة في كل مجتمع من مجتمعاتهم، وفي كل قوم من أقوامهم، وفي كل دولة من دولهم، ألا يفكروا بالحس السياسي المذهبي أبدا، وألا يبنوا علاقاتهم مع أقوامهم ومع مجتمعاتهم على أساس التمايز الطائفي وعلى أساس الحقوق السياسية والمذهبية. المطلوب من الأنظمة التي تضم مجموعات متنوعة أن تعترف بالهوية الدينية والمذهبية لكل مجموعة من المجموعات.

وأما بالنسبة إلى الموضوع السياسي، فأكرر وصيتي الملحة بأن يتجنب الشيعة في كل وطن من أوطانهم شعار حقوق الطائفة والمطالبة بحصص في النظام. وأوصيهم وصية مؤكدة بألا يسعى أي منهم إلى أن ينشئ مشروعا خاصا للشيعة في وطنه ضمن المشروع العام، لا في المجال السياسي أو الاقتصادي أو التنموي. أوصيهم بأن يندمجوا في نظام المصالح العام، وفي النظام الوطني العام، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للنظام، والقانون، وللاستقرار، وللسلطات العامة المحترمة.

ثم يضيف ((وأكرر وصيتي لهم ألا ينشئوا أية مواجهة أمنية أو سياسية مع أي نظام من الأنظمة)).

شمس الدين من أنصار العقل والتوازن، ومطالبة الإصلاح بالاشتراك مع الدولة وفق مؤسساتها لا بالقطيعة. دعونا نطرح نقاشا علميا، ماذا لو لم تتم مقاطعة الانتخابات البحرينية اكثر من مرة؟ ماذا لو بنينا على الإنجازات بدلا من المقاطعة؟ ماذا لو لم تقدم الاستقالات البرلمانية؟ دعونا نصنع مناخا إيجابيا، جميعا. والاصلاح التراكمي يكون بالمشاركة الإيجابية، ودعم الحُكم، وشرعية وسيادة الدولة، وعدم رفع شعار قاتل يقود إلى انتحار سياسي. طالب، دافع، انتقد، لكن عبر الأطر القانونية والدستورية. وسياسة الخطوة خطوة دون حرق المراحل، وبوطنية عالية وإنسانية هي التي تقود إلى خدمة الوطن والجميع ... يتبع

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .