العدد 4594
الخميس 13 مايو 2021
التغلغل الثقافي الناعم
الخميس 13 مايو 2021

يأتي التغلغل الثقافي الناعم ضمن أهم الأدوات التي تعتمد عليها تركيا في تنفيذ سياستها التوسعية تجاه العالم العربي، وذلك من خلال تبني استراتيجية واضحة للقوة الناعمة تستهدف في ظاهرها تهيئة الشعوب العربية لتقبل الثقافة ومنظومة القيم التركية، لكنها في الحقيقة تسعى إلى الترويج لسياساتها والدفاع عن مواقفها تجاه قضايا وأزمات المنطقة المختلفة.

لقد تبنت تركيا خلال العقد الأخير استراتيجية متدرجة للتغلغل الثقافي الناعم في الدول العربية بدأت بالدراما التي تروج للثقافة والقيم التركية من أجل جذب قطاع عريض من الشباب العربي، ثم تحولت هذه الدراما في مرحلة لاحقة إلى التركيز على الجوانب التاريخية والعسكرية التي تعيد تمجيد تاريخ الامبراطورية التركية وتروج لإحياء الخلافة العثمانية، على اعتبار أنها تشكل الأساس الروحي أو الثقافي في تقبل العالم العربي لـ “العثمانية الجديدة” التي بدأ نظام رجب طيب أردوغان تنفيذها على أرض الواقع خلال السنوات القليلة الماضية، ويلحظ المتابع للدراما التاريخية التركية بوضوح كيف أنها تستهدف الترويج لمجموعة من الرسائل المعدة بعناية وإتقان كبيرين، من بينها على سبيل المثال لا الحصر أن “تركيا قائد العالم الإسلامي”، وأنها “المدافع الأول عن القضايا الإسلامية”!

هذا التغلغل الثقافي الناعم في العالم العربي، والذي يمكن وصفه بـ “الحرب الناعمة”، يبدو في ظاهره تعبيرا عن القوة الناعمة لتركيا، لكنه في الحقيقة لا يختلف بأي حال عن تدخلها العسكري المباشر في العديد من الدول العربية، لأنه يستهدف تغيير ثقافة الشعوب العربية، وجعلها تتقبل السياسات التركية، وتدافع عنها حتى لو كانت تعيد أمجاد الامبراطورية العثمانية التي تقوم على ضم أجزاء من الدول العربية والاستيلاء على ثرواتها.

إذا كانت الدول العربية قد أدركت خطورة مشروع تركيا التوسعي، وبدأت تتبنى مواقف واضحة لتدخلاتها تجاه مناطق الأزمات في العالم العربي، فمن الضروري أيضاً أن تتصدى في الوقت ذاته لسياسة التغلغل الثقافي الناعم التي يتبناها نظام أردوغان، بهدف اختراق المجتمعات العربية والتأثير في هويتها الثقافية، فهذا التحدي لا يقل في خطورته عن التدخل العسكري، لأنه يرتبط بالوعي الجمعي للشعوب العربية.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية