العدد 4618
الأحد 06 يونيو 2021
اِطْمَئِنوا وطَمْئِنوا
الأحد 06 يونيو 2021

حين توالى القتلى في رواية “جزيرةِ الموت” لأجاثا كريستي في المنزلِ الوحيد على الجزيرة النائية، جعل أبطالُ الرواية يشكُّ كلٌ منهم في الآخر، ويظنهُ القاتل، ويموتُ فرقاً من أنْ يكون التالي، يشبهُ هذا السيناريو بالرواية السيناريو الذي يكتبه البشر وتسجلهُ الخلائقُ اليوم بأيديها وأرجلِها وأفواهِها، الكلُ يخشى الكل، والجميعُ يُشكِّكُ بالجميع، الكلُ قاتلٌ ومقتول، “لا معَ سبق الإصرار والترصد”، الهلعُ يجتاحُ القلوب والشائعاتُ تُذكِّيهِ وتُلهِبه، لمْ يعُدْ الناسُ يُميزونَ بين الحقيقةِ والشائعة، ووسائلُ التواصل تتمخضُ كلَ دقيقةٍ عن خبرٍ يخصُ الجائحة، كلُ واحدٍ يدكُّ طَودَ الآخر، وكلُ معلومةٍ تدحضُ الأخرى، وفي خِضمِّ كل هذا الامتحان البشري العسير، لا نلومُ الامتحان ولا المُمتحِن ولا المُمتحنون الواقعونَ تحت وطأةِ هذا الامتحان العصيب، اللومُ على الذين لمْ تُشذِّب أخلاقَهم المحنُ، ولمْ تُغيرهمُ البلايا ولم تقربهم بعدُ من الله قيدَ أُنمُلة.


ليس مجرد فيروس كما تظنون، ذلك الذي اجتاحَ الأرضَ “وأصابَ اللهُ به من شاءَ من عباده”، معلمٌ لا يتعلمُ منه إلا الطالب النجيب، ومن الدرس الأول يُدركُ أهميةَ هذا الدرس ويُخزنهُ في ذاكرته؛ ليستطيع التعامل مع الحياة وفقاً للدروس التي تعلمها، ومن “مِحنةٍ لمنحة” يتحولُ هذا الوباء، فيكون مقياساً للصبر على الشدائدِ والمِحن وكاشفاً لقوةِ الإيمان بالله، مهما انتشرَ الموتُ واستفحل الحال وضاقتْ السبل، فسبيلُ الله واسعٌ لا يضيق، وإذا بلغتْ الشائعاتُ مداها فأوقعتنا في الحيرة، جعلْنا الخيرةَ فيما اختارهُ الله؛ وفي ظل ظروفنا الراهنة، يقعُ على عواتقنا واجبٌ شرعيٌ وأخلاقيٌ ووطني بحمايةِ أنفسنا والآخرين من هذا الوباء، ولا يتأتى ذلك إلا بالالتزام التام بكل الإجراءات الاحترازيةِ والبقاء بالمنزل وعدم الخروج إلا للضرورة، والأخذِ بالأسباب والمسارعةِ بأخذ اللقاحات التي تُحصِّنُ أجسامنا من المرض، والكفِ عن الاستهتار الذي لا يكشفُ سوى عن الجهلِ المحض ليس إلا، ذلك الجهلُ الذي يفصلُ البعض عن العالم الحقيقي بكل ما يحياهُ من مِحن، وكأنَّ شيئاً لا يحدث، وكأنَّ الحياةَ على طبيعتها.


نحن بحاجةٍ للتعاضدِ والمساندةِ لبعضنا البعض في هذه المحنة التي سيكشفُها اللهُ عنا قريباً، نحتاجُ أنْ نُضمِّدَ جراحاتِ بعضِنا لنتجاوزَ الفقد، وأنْ نُعينَ بعضَنا في قضاءِ حوائجنا أثناءَ التعرضِ للوباء، نحن بحاجةٍ للدعم النفسي المتبادل وبث روح التفاؤلِ والفرح، وتجاوز الأخبار المحزنة والزائفة وعدم الخضوعِ بالشائعات، نحتاجُ لطمأنةِ بعضِنا بأنَّ هذه الشدة ستزولُ لا محالة، وبأنَّ دوامَ الحالِ من المُحال، وبأن الله يسمعُنا إذا دعوناه وأنه هو يحفظُنا ويُنَجِّينا من الكربِ العظيم.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .