العدد 4634
الثلاثاء 22 يونيو 2021
يا ليتني قدمت لحياتي
الثلاثاء 22 يونيو 2021

لقد أعطتنا الفترة القليلة الماضية (شهري مايو ويونيو) مزيجا لغويا سحريا من الحزن، كان علينا أن نفهمه بطريقة جديدة، فقد رأينا الأصحاب والأحبة يقفون في طابور الموت ويدخلون عليه بلا استئذان، فمنهم من توفي بفيروس كورونا اللعين ومنهم من توفي بدونه، لكن الجميع كان يدنو من الموت خطوة أخرى، وتحولت الأيام إلى لون واحد قاتم غارق في الرتابة، في الشهرين الماضيين وضع الكثير منا على صدره لافتة كتب عليها “ذاهب إلى المقبرة” لأدفن أخي أو أمي أو أبي أو أختي أو صديقي أو...، وتحولت ساحات وسائل التواصل الاجتماعي إلى بقعة سوداء مكتوب عليها بريشة بيضاء مهزوزة وبطعم الألم في الحلق أسماء من غادرونا بصمت وتركونا لنا التوجع.

يقول المفكر محمد خالد رحمه الله “الحياة مليئة بالمضايقات، والهروب من مضايقاتها يساوي تماما الهروب من نفسها، ونحن لا ندري لماذا خلقها الله هكذا، لماذا لم يخلقها خيرا من غير شر، لماذا لم يجعلها سعادة خاصة لا شقاء فيها ولا منغصات، أجل لا ندري لماذا، وجهلنا هذا بعض مضايقاتها، ومن يدري فلعله بعض مسراتها، إنها مزيج حكيم من المتناقضات، من اللذة، والألم، من التقوى والفجور، من الفوز والإخفاق، من السعادة والتعاسة، ونحن نصفها وهي على هذا الوضع، بأنها بضاعة مزجاة ولكنها ترفض هذا الوصف وتعلن أنها قوانين محكمة، لا تجزعوا من شر الحياة وضرائها، ولا تجعلوا من أنفسكم وتصرفاتكم مجالا حيويا تنمو فيه تلك الشرور وتتعاظم”.

هكذا هي الحياة ومن المفترض أن نرحب بالحزن وفقد الأحبة ونستقبله استقبالا رائعا دون اعتراض، فمثلما يدخل الفرح كل القلوب يدخل أيضا الحزن، والمقابر التي زرناها جميعا ما هي إلا نافذة مطلة على العالم الحقيقي الآخر، وقال الله تعالى في محكم كتابه “يا ليتني قدمت لحياتي” ولم يقل “في حياتي” لأن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة التي لا موت فيها.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية