العدد 4649
الأربعاء 07 يوليو 2021
الحياةُ بلا تكنولوجيا
الأربعاء 07 يوليو 2021

أغمضْ عينيك وتخيل أنك تعيشُ في منزلٍ خشبي وسط غابةٍ ما، وهكذا ستبقى ما حييت، لا تملكُ في مُسْتقركَ هذا سوى ما تسدُّ به جوعك وتروي به ظمأك، لا تلفازَ يسد فراغَ يومك، ولا حاسباً محمولاً، ولا هاتفاً جوالاً، ولا حتى مكيفا... تَخيَّلت كيف تبدو حياتكَ بلا تكنولوجيا من أي نوعٍ يا ترى؟ أهي أفضلُ وأهدأ وأكثرُ سلاماً، أم أقسى وأكثرُ صعوبة وأشدُ عسرة؟

لا ندَّعي أنَّ التكنولوجيا سيئةٌ وشريرة، لأنها سارقةٌ باحتراف، لكنها قدمتْ خدماتٍ جليلةٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى للبشرية على مرِ العصور، وإذا كانت التكنولوجيا تعني بلساننا “علم الحرفة”، فهي أي التكنولوجيا تكون قد بدأت مع بدء الخليقة، حين اخترع الإنسانُ النار ليطهو لقمتهُ ويعيش، ثم توالت الاختراعاتُ البشرية حتى ذللتْ الصعاب وجعلت المستحيل ممكنا والصعب الشديد سهلا يسيرا، فكان المصباحُ الكهربائي والقطار البخاري والسيارةُ والتلفاز، حتى وصلنا للحاسبِ الآلي والمحمول وصار الإنترنت مُتاحاً للكل والهاتفُ الجوالُ ضرورةً لدى الجميع، كل هذا الكشف ساهم في تطور العلوم والدفع بعجلة التعليم وتسهيل المعاملات وتطوير العلاقات بين الدول وبناءِ علاقاتٍ وصداقات بين الأفراد وأقرانهم حول العالم والمشاركة الفاعلة في حوار الحضارات وتقريبِ الأديان.. أية حياةٍ قبل التكنولوجيا نتحدثُ عنها إذاً؟

بيْدَ أننا ومن ناحيةٍ أخرى لا نأمنُ شر التكنولوجيا بطبيعة الحال؛ فالسيارةُ اختراعٌ عظيم، يُوصلني لوجهتي في وقتٍ قصير، لكنها قد تدهسُني في ثانية، والهاتفُ الذي أحمله معي أينما ذهبت قد يُنقذني عند الحاجة، لكنه قد يُعرِّضُني للتشهير والتحرشِ ليُفسدَ حياتي في لحظة. قد أدعي أنَّ التكنولوجيا التي أنارتْ الظلام وقربتْ البعيد، ويسَّرتْ العسير، كذلك أفسدتْ الحياة.. تلك الحياة البِكرُ التي كان يحياها الخَلْقُ على الفِطرة والبراءةِ والبساطة أصبحت مشوهةً مُعقَّدةً لا تُشبهُ نفسها أبداً، قد غابَ منها الجمالُ الفطري واضمحلت الخُلُق فسادتْ العجرفةُ في نفوس البشر، وبدأت جرائمُ جديدةٌ تتعلقُ بالتكنولوجيا بالظهور، وتمزقت روابطُ الدم وتقطَّعتْ العلاقاتُ داخلَ الأُسر، فقد نجحت التكنولوجيا في سرقة أدمغتنا ووقتنا وحياتنا لشديد الأسف، فهل خربت التكنولوجيا حياتنا وشوهتها؟

خلاصةُ القول، إنَّ التكنولوجيا أو علم المهارة هي إلهامٌ من الله وتطبيقٌ للعلمِ على أيدي البشر، ولا شرَّ فيها ولا بأس، إنما البأسُ يكمنُ في طريقةِ استخدامِ البشرِ تلك التكنولوجيا التي طُوِّرتْ لتجعلَ من هذا العالم مكاناً أروع وأجمل وأكثرَ سلاماً وأمانا، لا لتبُثَّ الشعورَ بالخوف.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .