العدد 4656
الأربعاء 14 يوليو 2021
ما أنا بقارئ
الأربعاء 14 يوليو 2021

تحثُّهُ فلا يُحث وتستميلهُ ولا يميل، تُغريه بشراءِ الكتب، ولا يشعرُ بالإثارة، هذا الورقُ والحبرُ لا يجذبانه، جيلُ التكنولوجيا والعولمة لا يُدركُ شعورَ تقليب الورق ورائحةِ الكتاب، “أمةُ اِقرأ لمْ تعُد تقرأ”، والمراجعُ والمجلدات تشكو من العثِّ والبلا داخلَ رُفوفها، وجيلُ ألعاب الكمبيوتر والموضة لا يُطيق شيئاً اسمهُ القراءة أو تصفح الكتب، زمنُ الهاتف النقال والآيباد، لم يعد يعترفُ بالكتاب، ذلك الذي ضمرَ دورهُ وتلاشتْ الحاجةُ إليه، في ظِلِّ ازدحامِ الأندرويد بمئاتِ البرامج والتطبيقات التي أغنت عن الكتاب، بل ولم تدعْ مجالاً لهذا الجيل لتصفحِ القرآن الكريم أو قراءةِ كتبٍ إلكترونيةٍ حتى.

يقاومونَ فكرةَ القراءة، كلما حثثتهم على المطالعة وتطوير الذات.. هم فقط يأخذونَ المعلومةَ السهلة الميسرة في فيديو، أو من خلال فيلمٍ ما، وكأنه المنبعُ الأساسُ للمعرفة، تماماً كالأُمّي الجاهلِ بالقراءة والكتابة الذي يتفرجُ في المجلات على الصور لا غير، وهو يدَّعي العلمَ بكل شيء، وقد يرجعُ النفورُ من القراءة لدى هذا الجيل لطغيان وسائل الإعلام المختلفة على الكتاب، وعدم ترغيب الطفل بالقراءةِ منذ الصغر، وشِبه خُلوِ المناهج المدرسية من القراءةِ المعززة، وصعوبةِ الكتب المدرسية التي تجعلُ الشباب ينصرفون بقوة عن قراءة أي كتابٍ بعد المدرسة، وقد يكون الرفاقُ كذلك عاملاً مُنفراً للفرد من القراءة في حال كان الأصدقاءُ كارهين للكتب ويسخرونَ من كلِ من يقرأ.

إنَّ كتاباً واحداً نقرؤه بألفٍ من العوالم، يوسع مجالَ الرُؤى ويُحطِّمُ آفاقَ المعرفة، ويجعلُ اندماجنا مع الأشخاص المحيطين بنا والمجتمع الذي نحيا فيه سهلاً يسيراً، ذلك أننا نكتسب الخبرةَ مما نقرأ ونستشعر التجاربَ التي نمرُ بها من خلال القراءة.. القراءةُ لا تُكسبنا الألفاظ والأفكار فحسب، بل تبني شخصياتنا وتُسهم في عملية خلق الإنسانِ المتميز والواعي والمثقف، الذي لا يشعر بالحرجِ حين يجدُ نفسه في أمةٍ من المثقفين الذين يخوضون في حواراتِ العقل والمعرفة المختلفة؛ فهم على خلافِ من لا يقرأ لديهم موضوعات شتى للمناقشة وملءِ الوقت بأمورٍ تعود عليهم بالمنفعة، في حين يُعاني أولئك الذين لا يقرأون من حدودِهم الجغرافية والاجتماعيةِ والفكرية الضيقة. الكتابُ صديقُ المرء الذي لا يخون وأنيسهُ في وِحدته ومُلهمهُ في لحظاتِ إبداعه ومُنقذهُ من الجهلِ والخُرافة والسطحيةِ المُستشرية. إنَّ عودةَ الأمم للكتاب ضمانٌ لنهضتها وحافزٌ لها على الإبداع والتقدم في كل مجالات المعرفة ومُهذبٌ لسلوكها ومُقوِّمٌ لأخلاقها، “أفمن يقرأُ كمنْ لا يقرأ؟!”، بل هم لا يستوون.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .