العدد 4719
الأربعاء 15 سبتمبر 2021
المستقبل صناعة لا تنبؤات
الثلاثاء 14 سبتمبر 2021

يمكن التأريخ للدراسات المستقبلية من عند اسمين أوروبيين كبيرين، الأول هو المؤرخ الألماني "أوسيب فلنختاهيم"، والذي شرع البحث في ذلك الفرع من فروع المعرفة عام 1930، تحت اسم Futurology، وهو الاسم المعروف به ذلك النوع الذي يسعى للتنبؤ المشروط من منظور احتمالي وعلمي نسبي، فيما الاسم الثاني الذي وضع لبنات السعي لمعرفة المستقبل، العالم الفرنسي "جاستون برجيه"، ويعرف علم الدراسات المستقبلية في اللغة الفرنسية باسم Prospertive، وحاصل جمع المفهومين يقودنا إلى فكرة دراسات المستقبل أو ما يطلق عليه Future Studies.

ولعل السؤال الجوهري بتفصيل الكلام.. كيف تساعدنا الدراسات المستقبلية في مواجهة عقبات المستقبل، لاسيما بالنسبة لصانع القرار السياسي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟

المؤكد أن هناك عدة ركائز يمكن أن ننطلق منها في الحديث، ومنها: أن الدراسات المستقبلية تساعدنا في وضع أيادينا على المشكلات قبل وقوعها، ومن ثم تهيئة الأجواء لمواجهتها، وإن أمكن قطع الطريق عليها والحيلولة دون حدوثها من الأصل، وهي بذلك تعمل بمثابة وظائف الإنذار المبكر كما في أجهزة الرادار في الجيوش المعاصرة. إن البحث في المستقبل يفتح أعين صناع القرار والسياسيين بنوع خاص على ما لدى البشرية، والدولة، والجماعة الوطنية من موارد وطاقة، خصوصا ما هو خفي منها وغير ظاهر، وهذا يمكن تحويله إلى مسارات للثراء والفاعلية، ويتحول إلى طاقات فعلية، تساعد في طريق التنمية الشاملة السريعة والمتواصلة.

تقودنا الدراسات المستقبلية وخصوصا في عملية صناعة القرار السياسي إلى تقييم عقلاني للبدائل والخيارات المتاحة من حولنا، ثم المفاضلة بينها لاختيار الأنفع والأرفع، الأرشد والأجدى للبشر والحجر، بقصد استطلاع ما يمكن أن يودي إليه من تداعيات، وما يمكن أن يسفر عنه من نتائج، وبهذا تتوافر قاعدة عملية علمية معرفية تكون هي الأصل والمصدر في مسيرة اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبديلاً عن الدخول في صراع المعتركات الجدلية، آيديولوجية كانت أو دوجمائية، وهذه وتلك لا تعطينا حلولا بل تعمق المشاكل.

ويبقى السؤال هل الحاجة إلى الدراسات المستقبلية فرض عين في زمن العولمة بنوع خاص، بمعنى أنه لم يعد من الممكن بمكان لأمة أو شعب أن يعيش في عالمنا المعاصر دون أن يضع في حسبانه التطورات وربما التدهورات السريعة التي تعيشها الكرة الأرضية ومن عليها؟.

يمكن النظر إلى الدراسات المستقبلية بعين صانع القرار السياسي الحصيف في كل دولة انطلاقاً من 3 منطلقات رئيسة، أولاها العولمة، ثم المناخ، وصولاً إلى التكنولوجيا.

بداية باتت العولمة قوة فعلية ترسم أبجديات المستقبل، وتشمل أموراً عديدة، منها تجارة دولية متسعة، ورؤوس أموال متنقلة بل ومتدفقة، وبشر سائرون، ومبحرون، وطائرون، وتملك الكلمة أبعاداً سياسية وثقافية وآيديولوجية.

المستقبل الذي يتحتم على حكام الدول وحكمائها النظر إليه يكاد يكون مهدداً بقنابل موقوتة من قبل تبدل المناخ العالمي وتغيرات النشاط الصناعي البشري، فمن الواضح أن النشاط الصناعي البشري يبدل التركيب الكيميائي للغلاف الجوي، ما يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة عموماً حول الكرة الأرضية.

وبجانب العولمة والتغير المناخي المخيف، لا يمكن لرجل دولة يرسم أبجدياً سياسات بلاده أن يهمل النظر إلى التطور التكنولوجي الواسع والشاسع الذي يحدث من حولنا، فالاتصالات السريعة حول العالم تسهل عمل الأسواق المالية، والتبادل التجاري في مختلف أنحاء العالم، والعناية الصحية وعلم الأدوية الحديثة يغيران البنيات الأساسية لعمر الشعوب في العالم النامي.

هل يتحتم علينا في عالمنا العربي أن نولي الدراسات المستقبلية أهمية أكبر في قادم الأيام؟.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية