العدد 4730
الأحد 26 سبتمبر 2021
حديث عن المعارضة والمرحوم عبدالرحمن النعيمي
الأحد 26 سبتمبر 2021

سبحان الله الخالق الذي لا تُدرَك حدود حكمته، ففي مجال العلاقات الإنسانية يقول علماء النفس إن ثمة شيئًا أو شعورًا في داخل الوجدان البشري يجعل الفرد يتخذ موقفًا، لا إراديًا في الكثير من الأحيان، تجاه الشخص الآخر الذي يقابله لأول مرة، هذا الشعور يتراوح بين الانجذاب والاحترام والإعجاب بذلك الشخص، أو النفور منه وازدرائه واحتقاره، وهو في الواقع شعور يمليه ويفرضه عليك الشخص الآخر الذي تقابله. 
راودتني هذه التجليات وأنا ألتقي لأول مرة بالمرحوم عبدالرحمن النعيمي في شهر مايو من العام 2001 (إذا لم تخني الذاكرة)، عندما وجدته من أول وهلة شخصًا يدخل القلب، كما يقول الخليجيون، بكرزمته الجذابة وحضوره الذي يفيض وُدًا ولطفا وبشاشة، ويفرض التقدير والاحترام على كل من يلقاه حتى وإن كان يختلف معه بمسافات شاسعة وبشكل حاد وجامح في المواقف والرؤى والقناعات السياسية.
وعاودتني قبل أيام تلك التجليات أيضًا وأنا أرى رفاقه ومحبيه وهم يحيون الذكرى العاشرة لوفاته، فجزاهم الله ألف خير على ما فعلوه، فقد كانوا في الواقع يعبرون في الوقت نفسه عن شعور الوطن برمته تجاه واحد من أبنائه الأعزاء.
وكما هو معروف فإن الأيدي العابثة حاولت، وما تزال تحاول، تقسيم شعبنا الواحد إلى معسكرين، معسكر الموالين ومعسكر المعارضين، وكأن المعارضين يجب أن يتخلوا عن ولائهم للوطن والنظام، متغافلين عن حقيقة أن المعارضة إذا فقدت هذا الولاء أو تخلت عنه فإن معارضتها تتحول إلى خيانة، وعلى هذا الأساس فإن زعيم المعارضة في بريطانيا يسمى رسميا “زعيم المعارضة الأكثر ولاءً لجلالة الملك”، وهذا مجرد مثال واحد فقط.
وعندما التقيت المرحوم عبدالرحمن النعيمي لأول مرة، كنت حسب هذا التقسيم أقع في معسكر الموالين وبامتياز، فقد كنت في موقع الوزير، وهو في المعسكر الآخر حيث كان واحدا من قامات المعارضة، عاد من الغربة إلى ربوع وطنه لينتقل من العمل أو النشاط السياسي السري الذي يُمارس في الخفاء ووراء أستار الظلام، إلى النشاط العلني المفتوح والمكشوف تحت أشعة النور الذي انبثق بعد أن أطلق جلالة الملك حفظه الله برنامجه الإصلاحي أو خطته للنهضة الوطنية التنموية الشاملة فور تسلمه زمام الحكم في البلاد في العام 1999.
ففي إطار البرنامج الإصلاحي بادر صاحب الجلالة وأمر بإطلاق سراح السجناء السياسيين كافة، ودعوة كل المبعدين والنازحين والنشطاء السياسيين في الخارج إلى العودة إلى وطنهم للمساهمة في بناء صروح وهياكل الدولة المتجددة الموعودة، دولة الميثاق ودولة النظام الدستوري الملكي؛ حيث تنتعش فيها الحريات والديمقراطية المسؤولة، ويُحترم القانون، وتتعزز فيها قيم ومبادئ حقوق الإنسان، وتصان فيها كرامة الفرد ومكانة المرأة، ويُفسح المجال فيها للمعارضة الواعية المخلصة للوطن باعتبارها شريكًا وطنيًا ومن أهم مكونات ومقومات الحكم الرشيد، وتترعرع فيها مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الجمعيات السياسية كقواعد أساسية للحياة النيابية والديمقراطية.
وقد تم بالفعل في العام 2001 تسجيل وإشهار الجمعيات السياسية لكل من تقدم بطلب لذلك، والتي بدأت تنشط وتتحرك كأحزاب سياسية بمسمى جمعيات، وكان الأمل معقودا على أن تبادر هذه الجمعيات بالاصطفاف بعد تأسيسها ضمن الصف الوطني وتلتحم بهياكل الدولة وأجهزتها التشريعية والإدارية من خلال الممارسات القانونية وعبر القنوات الدستورية التي أسس لها الميثاق الوطني ونظمها دستور الدولة وقوانينها.
ومن بين من بادر وسارع في تسجيل جمعيته المرحوم عبدالرحمن النعيمي وعدد من زملائه، أو “رفاقه” كما يطلقون على أنفسهم بحسب الطقوس والأعراف اليسارية، فكل واحد منهم يخاطب وينادي الآخر “يا رفيق” وهي ترجمة أمينة لكلمة “كومرِد” المنحدرة في الأساس من اللغة اللاتينية والمستعملة في معظم لغات أوروبا إلى جانب الروسية كما أعتقد. وكانت هذه الكلمة قد أصبحت من أبرز المفردات اللماعة في قاموس أبجديات النظرية الماركسية قبل أن يتم طي ذلك القاموس بعد انهيار النظرية من أساسها.
تقدم المرحوم عبدالرحمن النعيمي وعدد من رفاقه لتسجيل جمعية سياسية باسم “جمعية العمل الوطني الديمقراطي” واختصارًا تسمى “وعد”، وتم تسجيلها وإشهارها في الحال، لتكون أول جمعية سياسية تؤسس في البحرين في ظل الانفتاح والانفراج السياسي الذي تحقق على يد الملك المصلح حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وقد صدر القرار الوزاري بتسجيل وإشهار الجمعية في شهر سبتمبر 2001 بتوقيعي بصفتي الوزير المختص في ذلك الوقت، وكانت “وعد” هي النسخة الشرعية أو البديل للجبهة الشعبية المعارضة التي أسسها في الخارج المرحوم عبدالرحمن النعيمي في العام 1974 وظل رئيسها لأكثر من ربع قرن قبل أن يصبح رئيس جمعية وعد.
التقيت النعيمي لأكثر من مرة، وأعود إلى المرة الأولى التي التقيته فيها، وكنت أتوقع أن التقي رجلا مكسورا منهكا خائر القوى يحمل على كاهله هموم وركام الأحلام والأهداف والمشاريع التي انهارت أو فشلت والتي كان قد آمن بها وضحى من أجلها أيما تضحيات؛ أكبرها انهيار الاتحاد السوفيتي والنظرية الماركسية، والقضاء على ما سمي بثورة ظفار، وسقوط أول نظام شيوعي يحكم دولة عربية في ما كان يعرف باليمن الجنوبي، والطامة الكبرى هزيمة العرب الشنيعة في حرب الأيام الستة على يد ما كنا نسميها دويلة إسرائيل.
قبل أن التقيه لأول مرة ظننت أنني سألتقي رجلا أتعبه طول المسافات ومواجهة ومصارعة الأقدار، وأعيته الغربة وضنك العيش، وأوهنته حياة التنقل والترحال وعدم الاستقرار؛ التنقل مع مشقة العمل السري بين مدن المنامة وبيروت وبغداد ودمشق وعدن وأبوظبي وظفار، وبين السجون التي من بينها سجون دمشق وأبوظبي، والتنقل الفكري والحركي بين تنظيمات “القوميين العرب” و “جبهة تحرير عمان والخليج العربي” ثم “الجبهة الشعبية في البحرين” التي أسدل الستار عليها بعد أن عاد في نهاية المطاف إلى رحاب الوطن ليحط الرحال وليؤسس جمعية العمل الوطني الديمقراطي.
نعم، قبل لقائي الأول به كنت أظن أنني سألتقي شخصا ينزف، منهكا عبوسا متعبا خائر القوى، إلا أنني وجدته دائم الابتسامة بشيء من الثقة والشموخ والصمود والترفع على الجروح والآلام، ومع ذلك فقد ظلت الأقدار تلاحقه، وأدركته عندما جعلته يلبي نداء السماء وينتقل إلى جوار الرفيق الأعلى، فرحم الله عبدالرحمن النعيمي وأسكنه فسيح جناته، وشكرًا مرة أخرى لمن أحيا قبل أيام الذكرى العاشرة لوفاته.
——————————————————تصحيح: ذكرت في مقال الأسبوع الماضي أن متهمين اثنين حوكما بتهمة التحريض على اغتيال المرحوم عبدالله المدني وحكم عليهما بالسجن المؤبد، والصحيح أنه قد تمت تبرئتهما من التهم التي نسبت إليهما في هذه القضية.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .