العدد 4744
الأحد 10 أكتوبر 2021
حديث عن المعارضة وزيارة أمير طاهري
الأحد 10 أكتوبر 2021

ثمة مقولة معروفة للفيلسوف والشاعر الإنجليزي العملاق وليم شكسبير تقول: “نحن بحاجة للخلافات أحيانًا؛ لمعرفة ما يخفيه الآخرون في قلوبهم، قد تجد من يجعلك في ذهول! وقد تجد من تنحني له احتراما”.

وفي المقالين الأخيرين اللذين نشرتهما تحت العنوان نفسه لهذا المقال، وهو “حديث عن المعارضة”، أعدت للذاكرة في المقال الأول جريمة اغتيال رئيس تحرير مجلة “المواقف” وقتها، المرحوم عبدالله المدني، التي وقعت قبل 45 عامًا وارتكبها من يختلفون معه في الرأي ويطلقون على أنفسهم “معارضة”، والذين جعلوا المجتمع البحريني برمته يصاب بالأسى والاشمئزاز والذهول جراء ذلك النوع من المعارضة وذلك الأسلوب في معالجة الاختلاف في الرأي.

وتطرقت في المقال الثاني إلى انطباعاتي الإيجابية للقائي قبل 20 عامًا، بأبرز أقطاب المعارضة وقتها المرحوم عبدالرحمن النعيمي. وعلى الرغم من الاختلاف الحاد والشاسع معه في الأساليب والمواقف والرؤى والقناعات السياسية، فقد كدت أن أقول إنه كان رجلًا يستحق أن ننحني له احترامًا.

وحتى لا يقال إنني اخترت أن أستشهد في مقارباتي السابقة بأشخاص فارقوا المشهد السياسي وانتقلوا إلى جوار خالقهم، وبذلك فإن بعضا مما قلته قد يفقد الكثير من قيمته ومغزاه، فإنني في هذه الوقفة سأشير باختصار شديد، ولكن بكل احترام وتقدير إلى شخص يقف أو كان يقف في صدارة الوجوه المعارضة، ونختلف معه أيضًا في المواقف والرؤى والقناعات السياسية، إنه الأديب والشاعر قاسم حداد الذي لم ألتقهِ قط في حياتي ولم أتحدث معه أو أحضر للأسف الشديد أيا من محاضراته وفعالياته العديدة، لكنني قرأت وسمعت الكثير عنه وعن تاريخه الوطني، والتقيته وعرفته من خلال مقالاته ونتاجه الفكري المتميز وأشعاره التي تنبض بالحياة وتتدفق بالمصداقية والأحاسيس الإنسانية الفياضة والمشاعر الوطنية النبيلة، والتي تعبر في الكثير من الأحيان عن آراء ومواقف شديدة المعارضة للنظام، لكنها تبقى في رأيي، وإن اختلف معي الكثيرون، معارضة سلمية رزينة لا تسبب الذهول كما ذكر شكسبير.

قاسم حداد مارس المعارضة ومر بدروبها ودهاليزها، ولأنه صاحب عقل وحس نقدي، فقد أصبحت لديه دون شك القدرة على المراجعة والتقييم، فصار نتيجة لذلك يملك تجربة ثرية ناضجة لا يجب أن تفوتنا فرصة الاستفادة منها.

وقاسم حداد من الطاقات الإبداعية الوطنية التي تميزت بالاستقامة، والتي يعتز بها الجميع ويكن لها الود والمحبة، ورغم أنه لم ينل حظا وافرا من التعليم الأكاديمي، إلا أنه أصبح شخصا مثقفا بامتياز، ورمزًا لامعًا من رموز الأدب العربي. والثقافة في معظم الأحيان أهم بكثير من التعليم الأكاديمي، ولها دورها المؤثر في بلورة وتكوين وتشكيل فكر الإنسان، ولأنه شاعر وأديب، فقد أصبح لنقد الحداد ومعارضته نكهة خاصة لذيذة الطعم وسهلة الهضم، وعلى كل حال وكما قال النقاد “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره”.

ليس لي أي هدف أو منفعة أو مصلحة شخصية خاصةً عندما أعبر عن هذه المواقف والآراء، إنما هو الإحساس بالواجب والمسؤولية الأخلاقية تجاه هذا الوطن الغالي، وإنني لا أعبر عنها بعد أن غادرت مقاعد السلطة أو الحكومة كما قد يدعي البعض، بل إنني كنت أؤمن بها وأقولها وأنا جالس على واحد من تلك المقاعد، وذلك انطلاقا من اطلاعي وإدراكي بقناعة قيادتنا السياسية، وخصوصًا بعد أن تولى جلالة الملك المفدى حفظه الله مقاليد الحكم بأن المعارضة الواعية المخلصة للوطن هي حراك سياسي إيجابي وظاهرة حضارية في المجتمعات المتنورة تهدف في الأساس إلى إحداث التغيير في المجتمع؛ بغية الإصلاح والتطور، وتعتبر شريكا وطنيا ومن أهم مكونات ومقومات الحكم الرشيد.

وكما ذكرنا من قبل، ولكي تكون المعارضة مسؤولة ومقبولة وشرعية يجب أن تبتعد وتنأى بنفسها عن التطرف، وتتجنب العنف والإرهاب، (بما في ذلك العنف والإرهاب الفكري)، وتلتزم في أداء دورها بالوسائل السلمية ومن خلال المنابر والقنوات الدستورية، وتنطلق بواقعية من خصوصية الدولة والمجتمع البحريني، ومن بوتقة الوحدة الوطنية ومن قاعدة الولاء للوطن والنظام التي أرساها النظام الإنجليزي الديمقراطي العريق عندما أوثق المعارضة بالولاء، واصفًا زعيم المعارضة فيها بأنه رسميًا “زعيم المعارضة الأكثر ولاءً لجلالة الملك”.

وأستطيع في هذا السياق أن أجزم وأقسم بأنني لم أسمع قط في أي وقت من الأوقات، أو من أي من أقطاب الحكم والقيادة في البلاد أي إساءة أو مذمة تجاه أي من وجوه المعارضة، وقد كان المرحوم الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه يقول عنهم دائما: “إنهم عيالنا، الله يهديهم”، وقد خطا نجله الملك المفدى خطوات أوسع وأبعد عندما دعاهم دون تردد للمشاركة في بناء الوطن ورفعته.وفي

هذا السياق أيضًا، وعندما شرع جلالة الملك في إطلاق خطته التنموية الإصلاحية استقطبت البحرين جموعا متزايدة من كبار رجال الصحافة والإعلام من مختلف دول العالم؛ للاطلاع وتغطية هذا الحدث الإقليمي المهم، وكان من بين أبرز الزوار الصحافي المخضرم والمحلل السياسي الإيراني المعروف أمير طاهري، الذي كان في عهد الشاه رئيس تحرير جريدة “كيهان” الفارسية الصادرة من طهران، والمقيم الآن في بريطانيا، وما يزال يكتب بانتظام في جريدة “الشرق الأوسط”، فقد زار البحرين في بداية العام 2002 وأقام له الزميل أنور عبدالرحمن رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير “أخبار الخليج” حفل عشاء في منزله دعا له عددا محدودا من الأصدقاء، وكنت واحدا منهم.

كنت قد ألتقيت أمير طاهري في لندن من قبل، وفي تلك الأمسية في منزل الزميل أنور عبدالرحمن أتيحت لي الفرصة للتحدث معه مطولًا، وقد أبدى أمير طاهري تقديره وإعجابه بمبادرة جلالة الملك الفورية بدعوة كل المعارضين دون استثناء وبلا قيود أو شروط مسبقة للانخراط في جهود بناء الدولة، ووصفها بأنها خطوة حكيمة وجريئة، لكنه أبدى تخوفه من عدم تمكن المعارضين من الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية بالانتقال من مرحلة المعارضة التي تتسم بطبيعتها بالمناكفة والعرقلة والتأزيم والتشكيك إلى مرحلة المشاركة والتعاون والبناء، ومن العمل في السر والخفاء إلى العمل في العلانية وتحت الأضواء، وقال: “التاريخ يعلمنا أن عملية الانتقال هذه ليست سهلة”.

وفي البحرين، فإن المعارضة ربما كحال مثيلاتها في دول أخرى، قد ابتليت بعدد قليل ضئيل من العناصر المتسلقة ذات المستوى المتدني من العلم والثقافة والخبرة والمعرفة، وتحمل في جوفها فهما خاطئا لحقيقة وطبيعة ودور المعارضة، فأساءت إليها واعتبرتها أو اتخذتها أداة للعرقلة والتخريب وإثارة الفتن، ومعولا من معاول الهدم للوطن ومنجزاته وسمعة رجاله المخلصين الشرفاء، حتى أصبحوا الآن، وكما هو متوقع، ينهشون لحوم بعضهم بعضا، فبات على المعارضين الشرفاء التخلص من مثل هذه العناصر أو تجاهلها على أمل أن يهديها الله إلى سواء السبيل، إنه على كل شيء قدير.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .