العدد 4751
الأحد 17 أكتوبر 2021
مأزق جماعات الإسلام السياسي وما يحصل الآن للمسلمين في الهند
الأحد 17 أكتوبر 2021

قبل أيام احتُفل بمرور 50 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مملكة البحرين وجمهورية الهند الصديقة، وكانت الهند من أوائل الدول التي اعترفت بالبحرين فور الإعلان عن استقلالها وأقامت معها علاقات دبلوماسية مميزة، وهي خطوة حظيت بتقدير البحرينيين قيادة وشعبا، وكانت تعني الكثير بالنسبة لنا سياسيا ومعنويًا في تلك الفترة بالذات؛ فقد مر استقلال البحرين بمرحلة مخاض صعبة ودقيقة نتيجة لمطالبة إيران وادعاءاتها في ذلك الوقت بالسيادة على تراب وطننا الغالي، وقد نجحنا في اجتياز تلك المرحلة العصيبة وحافظنا على استقلالنا وسيادتنا، وتوصلنا إلى حل لذلك الإشكال الخطير بالهدوء والروية وعن طريق التواصل والحوار وبالوسائل السلمية، وتألقت بذلك الدبلوماسية البحرينية في تلك المرحلة المبكرة.
 وفي مناسبة هذا الاحتفال، وأيضًا منذ فترة ليست بالقصيرة أخذ بعض المعارف والمتابعين لمقالاتي يتصلون بي ويطالبونني، بتهكم واستفزاز أحيانا، بالتوقف عن الدعوة لتوثيق علاقات دولنا العربية والإسلامية بالهند، والمطالبة عوضًا عن ذلك بمقاطعتها والكشف عما يعانيه المسلمون فيها من قمع وظلم واضطهاد وتهميش وتهجير على يد جماعات هندوسية متطرفة دينيًا وقوميًا، خصوصًا في ولاية آسام الواقعة في شمال الهند، ويحدث كل ذلك بدعم وتشجيع أو قبول أو سكوت من جانب حكومة أكبر ديمقراطيات العالم التي أصبح يهيمن عليها منذ العام 2014 “حزب بهاراتيا جاناتا” الهندوسي بزعامة ناريندرا مودي رئيس الوزراء، الذي اتخذت الحكومة الهندية تحت قيادته ومنذ ذلك الوقت جملة من القرارات والقوانين والإجراءات القمعية التي تؤكد سياسة ممنهجة لاضطهاد المسلمين فيها. 
كل هذا صحيح إلى حد كبير ولا يمكن إنكاره أو تبريره أو الدفاع عنه، إلا أنه رغم خطورته لا يجب أن يؤدي بنا إلى التشنج والانفعال اللذين يؤديان عادة إلى نتائج عكسية، أو إلى رفع الدعوة المعتادة لمقاطعة الدولة وبضائعها ومنتجاتها؛ وهو تصرف يلجأ إليه الطرف العاجز، ولم تثبت جدواه أو مقدرته على الاستمرار والصمود، كما هو واضح من محاولاتنا الأخيرة لمقاطعة البضائع والمنتجات الهولندية والفرنسية، بل علينا أن نفعل العكس، بأن نوسع قنوات الاتصال والتواصل، ونحافظ على الصلات والوشائج التي تربطنا بجارتنا الهند، ونحرص على تعزيز علاقاتنا السياسية والاقتصادية والحضارية والتراثية معها التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ والآخذة في التطور والنمو والتوسع، وأن نؤكد لقادتها ثقتنا بمقدرتهم على تجاوز وتخطي هذا المنعطف الخطير في تاريخ بلادهم العريق المشبع بقيم التعايش والتسامح، والتي عاشت فيها الأكثرية الهندوسية تحت حكم الأقلية المسلمة لأكثر من 800 سنه قبل أن يزيحهم المستعمرون البريطانيون عن الحكم بعد انتصارهم على الحاكم الهندي المسلم تيبو سلطان في العام 1799. 
وعلينا أن نؤمن ونعتز بإمكانات المسلمين في الهند وقدرتهم على حماية حقوقهم ومكتسباتهم والدفاع عنها، فعددهم يبلغ أكثر من 210 ملايين نسمة! أي أكثر من ضعف عدد سكان مصر، وهي أكثر الدول العربية كثافة بالسكان، بما يجعل الهند ثالث أكبر بلد في عدد المسلمين في العالم؛ مع العلم أن صفوف المسلمين فيها مكتظة بالعلماء والوجهاء والأثرياء والسياسيين والمتعلمين والمثقفين والمفكرين وغيرهم من الفعاليات المتمكنة والنافذة والمؤثرة. 
وإلى جانب الـ 210 ملايين مسلم هناك مئات الملايين من الهندوس والسياسيين والحقوقيين في الهند يتقدمهم “حزب المؤتمر الهندي” المعارض الذي حققت الهند استقلالها تحت رايته، وكان لسنوات عديدة يتمتع بالأكثرية المطلقة التي جعلته يحكم الهند بعد استقلالها لأزيد من 49 سنة، هذا الحزب وهذه المئات من الملايين من الهنود ترفض وتستنكر وتتصدى وتعترض بالوسائل السلمية والدستورية على تصرفات الجماعات الهندوسية المتطرفة وتشجب سياسات الحكومة الهندية المتسمة باضطهاد المسلمين وتعِد بإلغائها وإعادة الهند إلى مسار الديمقراطية والعلمانية فور إزاحة حزب “بهاراتيا جاناتا” من السلطة.
والمعروف أنه في بداية القرن الماضي وقف الهندوس والمسلمون صفًا واحدًا في مواجهة البريطانيين والمطالبة باستقلال الهند لتكون دولة ديمقراطية علمانية موحدة، وفي مرحلة من مراحل عشرينات القرن الماضي أصبح الهندوسي المهاتما غاندي يقود نضال الطرفين في تلك المواجهة وبمشاركة المسلم محمد علي جناح الذي أصبح فيما بعد مؤسس الباكستان، إلا أنه بعد انهيار الدولة العثمانية سيطر على المسلمين في الهند الإحساس بالإحباط والضعف والضياع، ونما الشك والتخوف لدى أعداد متزايدة منهم من سيطرة وهيمنة الهندوس عليهم بعد خروج البريطانيين، وتعمقت القناعة لديهم بضرورة أن يكون لهم وطن مسلم خاص بهم.
وبعد انفصال باكستان ظل التزام الهند بالديمقراطية والعلمانية راسخا منذ حصولها على الاستقلال في العام 1947، وذلك على الرغم من قرار غالبية المسلمين فيها في ذلك الوقت الانفصال وتأسيس جمهورية الباكستان كدولة إسلامية خاصة بهم، وقد رفضت زعامة الهند وقتها بقيادة غاندي ونهرو وغيرهما من أبطال الاستقلال الدعوات والأصوات الهندوسية التي كانت تطالب وتؤمن بأن الواقع والمنطق يقضيان بأن يكون ما تبقى من الهند دولة هندوسية، وبقي ذلك الإحساس مدفونا في وجدان عدد غير قليل من الهندوس.
وفي إطار موجات التطرف الديني والتهاب المشاعر اليمينية والقومية التي عصفت بالعديد من دول العالم في الشرق وفي الغرب في العقود القليلة الماضية، فإن الهند لم تسلم من هذه الموجات، فاستيقظت وانتعشت المشاعر الدفينة لدى عدد متزايد من الهندوس فيها، وتمكن المتطرفون دينيا وقوميا منهم من الوصول إلى مقاعد السلطة والعمل على تحويل نظام الحكم فيها عمليا من عقيدة العلمانية إلى عقيدة التشدد والتسلط الديني الهندوسي على الرغم من بقاء الدستور ينص على أن الهند دولة علمانية ديمقراطية.
والملاحظ أن الجماعات الهندوسية الإرهابية المتطرفة عندما ترتكب الاعتداء والقتل ضد المسلمين تهتف بشعار “جاي شري رام” أي “النصر للإله رام” وهي حالة مشابهة لما يفعله المتطرفون الإرهابيون المتأسلمون عندما يرتكبون جرائمهم الإرهابية وهم يهتفون “الله أكبر”، وهذا يجرنا إلى القول بأن ما هو حاصل وواقع لمسلمي الهند الآن يسبب حرجا ويشكل تحديا ومأزقًا وجوديا للجماعات السياسية الإسلامية في العالم العربي، فالجماعات الهندوسية السياسية المسيطرة على الوضع في الهند الآن تتخذ مواقف مشابهة لمواقف الحركات الإسلامية السياسية؛ فهي تدعو إلى التخلي عن العلمانية وتحويل الهند إلى دولة هندوسية تطبق فيها الشرائع والأحكام والقوانين الهندوسية، وتسعى هذه الجماعات إلى تأكيد وتأصيل وتغليب التراث والثقافة والعقيدة الهندوسية وضمان سموها على باقي الأديان والمعتقدات في الهند.
إن الجماعات السياسية المتأسلمة والمتأسلمين السياسيين في العالم العربي يسعون إلى تطبيق نسخة إسلامية مما يقوم به ويفعله المتعصبون السياسيون الهندوس في الهند، فهم يطالبون أيضًا بالتخلي عن العلمانية وبأسلمة الأنظمة السياسية في البلدان العربية، بحيث يحكمها رجال الدين نيابة عن الله وباسمه، وتطبق فيها الشريعة الإسلامية كنظام للحكم ومصدرا للأحكام والقوانين والتشريعات، وتُصبغ فيها أوجه الحياة كافة بالألوان المزعومة للتراث الإسلامي، وتُطمس الهوية الوطنية لصالح الهوية الدينية، ويُهمش فيها المواطنون غير المسلمين ويصبحون من الذميين ومن الدرجة الثانية في أحسن الأحوال.
إن جميع المراقبين والخبراء والمختصين بدأوا يتفقون على أن موجات التطرف الديني والتهاب المشاعر القومية التي عصفت بالعديد من دول العالم في الشرق وفي الغرب في العقود القليلة الماضية وأشرنا إليها أعلاه، والتي جرفت ببعض الأحزاب المتطرفة دينيا وقوميا إلى مراكز السلطة في بلدانها قد بدأت تفقد زخمها وعنفوانها، وأن الجماعات أو الأحزاب التي ركبت تلك الموجات ونجحت في الوصول إلى تلك المراكز بدأت تنزاح منها، في عالمنا العربي رأينا ذلك يحصل في مصر والسودان والمغرب وتونس، ولن يكون حظ ومصير “حزب بهاراتيا جاناتا” الهندوسي وجماعته المتطرفة في الهند أفضل منها إذا لم يتخلَّ عن سياساته الاضطهادية القمعية.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .