العدد 4756
الجمعة 22 أكتوبر 2021
تصويرُ الطعام... بين الذمِ والمديح
الجمعة 22 أكتوبر 2021

لا يبقى من الحدثِ البهيج سوى صور تختزنُ ذكريات مناسباتنا السعيدة، ومع تطور آلياتِ التصوير وتنوعها وسهولة الوصول إليها، وكونها حاضرةً معنا على الدوام في اجتماعاتنا المختلفة، بِتْنا نُصوِّرُ يومياتنا ودقائقَ روتيننا اليومي وطعامنا الذي نتناوله كل يوم؛ لنشارك الآخرين تجاربَ الطعام التي نُجريها، من منا لمْ يقُمْ بتصوير طبقٍ قامَ بإعداده، أو قُدِّمَ إليه في مناسبةٍ ما، أو طلبهُ في أحد المطاعم التي زارها في البلاد وخارجها؛ لأنه بدا ناطقاً بالجمالِ واللذة؟ هل نُبررُ هوسَنا بتصوير الطعام لأسبابٍ نعدُها وجيهة، أم لا مبررَ لتهافتنا على نشرِ صورِ طعامنا للملأ أياً كانت الأسبابُ وراءَ ذلك؟
إنَّ ظاهرةَ تصوير الطعام ونشرهِ في وسائل التواصل وليدةً رضيعة، ولدتها الطفرةُ التكنولوجيةُ والمعلوماتية، وأرضعتها الإعجاباتُ والتفاعلات عبرَ الفضاء الإلكتروني واسع النطاق، ولمْ نجدْ مُعارضاً لها غير بعض الأصوات المبحوحةِ والخجولةِ هنا وهناك، التي لمْ يُقدَّرَ لها أنْ تصلَ كما تصلُ صورُ الأطعمة. قد يبررُ مهوسو تصوير الطعام بأنهم يقومونَ بذلك من أجل التسويق وجذبِ العملاء، ولا فرق إنْ كان شكلُ الأطعمة يُنبئُ بطعمها أمْ لا؛ فما يُهِمُّ هو الترويج للطعام وزيادة الأرباح من خلال شراءِ الأطعمة الجذابةِ في الصور. كما أنَّ البعضَ يلجأُ لتصوير الأطعمة التي يُعدُّها بنفسه ليستعرض مهاراته ويشارك الآخرين وصفاته، كمنْ يطهو ويأكل معك على منضدةٍ واحدة؛ لتعمَّ الفائدة ويشيعَ جوٌ من البهجة والتفاعلِ بين المصورِ المدون وجمهوره. البعضُ يدَّعي أنَّ نشرَ صورِ الطعام في وسائل التواصل الاجتماعي نوعٌ من أنواع التبادل الثقافي والمعرفي، حيث تنقل صورُ الطعام تراثنا وثقافتنا وعاداتنا للعالم.
لا تُقنِعُ هذه الأسباب أولئك المعارضين لتصوير الطعام ونشره بطبيعةِ الحال؛ فهمْ يرونَ أنَّ مُصوري الأطعمة مرضى نفسيونَ ليس إلا، كما يرى هؤلاء أنَّ المهوسين بتصوير الطعام قد يُعبرون عن تعلقهم المرضي بتناول الأطعمة، بتصويرهم طعامهم وأنفسهم وهم يتناولون بشراهة وجباتهم المختلفة. إنَّ مُروجي الأطعمة الذين يقومون بتصوير الطعام الذي يروجون له، قد لا ينقلونَ الحقيقة، فينقلون صوراً جميلةً بهواتف ذكية ذات كاميرات عاليةَ الجودة، غير أنَّ مذاقَ الطعام سيئٌ للغاية.
هؤلاء لا يدفعون بالمتابعين لشراء أطعمةٍ رديئةٍ وخسارةِ أموالهم فحسب، بل إفسادِ نظامهم الغذائي وتناول الأطعمة التي تضرُ صحتهم، واشتهاء الطعام وطلبهِ في جميع الأوقات. 
نحن أيضاً صِرنا نتفاخرُ بطعامنا ونجتهدُ في توثيق وجباتنا اليومية من خلال تصويرها وعرضها كقصة في وسائل التواصل، دون أنْ ننتبهَ لمشاعرِ المستخدمين الذين يقومونَ بمتابعتنا، ويغيبُ عن أذهاننا أنَّ منهم الفقيرُ المعدم، ومنهم الذي فقدَ من كانت تصنعُ له الطعام، وأنَّ منهم من قد يشعرُ بالنقص، فيملأُه بالتباري معنا على التصوير الفوتوغرافي لطعامه لينتُجَ عن ذلك نوع من الإسراف وذهابِ المال، وهذا ما ينهانا عنه ديننا الحنيف ويُحذِّرُ منه.

 

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .