العدد 4761
الأربعاء 27 أكتوبر 2021
الفكر السياسي الإسلامي المعاصر وأبو الأعلى المودودي (2-2)
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021

قلنا في الجزء الأول من هذا المقال إن حسن البنا مؤسس ومرشد حركة الإخوان المسلمين قد تأثر تأثرا بالغا وواضحا بأفكار ونظريات أبو الأعلى المودودي في الحاكمية وفلسفة الدولة الإسلامية والتكفير والدمج بين الدين والسياسة.
إلا أن سيد قطب اعتنق أفكار المودودي بشكل أوثق وأعمق وأشد من حسن البنا، وقام بصب أفكار المودودي في القوالب الحركية التي أسسها حسن البنا، وحوَّل هذه الأفكار إلى مناهج عملية وتطبيقية، فكان أكثر استعدادا للتنفيذ وللصدام والمواجهة، وانتقل بالإخوان من إستراتيجية المراحل التي اتبعها البنا إلى اختصار المسافات وقلْب الأولويات، فأخذت السياسة تتقدم على العقيدة، وأصبح لإقامة الدولة الإسلامية أسبقية على التربية والتثقيف، وصار تقلد السلطة والحكم أكثر أهمية من ترسيخ الإيمان بالله، وكان البنا قد وضع مشروع “الدولة الإسلامية” في المرحلة الخامسة بعد إعداد الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، وبعدها المجتمع المسلم، وأخيرا الحكومة الإسلامية، إلا أن سيد قطب نقلها إلى المرحلة الأولى.
وطور سيد قطب أفكار المودودي المتعلقة بالتفسير السياسي للإسلام وبنى عليها، واستنبط تفسيرات جديدة للقرآن الكريم لم يسبقه أحد من قبل إليها في كتابيه “في ظلال القرآن” و ”معالم في الطريق” بحيث التحمت “نظرية الحاكمية لله” بتكفير وتجهيل المجتمع، وتسمية المساجد “معابد الجاهلية”، ما برر لأتباعه القيام باستحلال دماء المسلمين (المرتدين) وأعراضهم وأموالهم.
وقد قال الكاتب الإسلامي جمال البنا، وهو الشقيق الأصغر لحسن البنا “إن كتابات المودودي ساهمت في جنوح كثيرين إلى منهج التكفير أبرزهم سيد قطب”.
ومرة أخرى نقول إن استنهاض المودودي لفكرة أو نظرية “الحاكمية لله” قد جعل هذا المفهوم من المفردات والمصطلحات السياسية الدارجة في مدارس الفكر السياسي الإسلامي، وأصبح شرحه وتفسيره لتلك النظرية محورا ومرتكزا للنظريات وللحراك السياسي الإسلامي لكل التيارات الحركية الإسلامية بشقيها السني والشيعي.
فرغم حساسية المفكرين السياسيين الشيعة لمقولة “إن الحكم إلا لله” التي رفعها الخوارج في وجه الإمام علي بن أبي طالب في العقد الثالث الهجري، ووصفها الإمام نفسه بأنها “كلمة حق يراد بها باطل” والتي استنهضها المودودي وألبسها حلة مختلفة من خلال نظريته “الحاكمية لله”، إلا أنه لم يكن بإمكان هؤلاء المفكرين تجاهل هذا التدفق المشحون بالثقة لأفكار المودودي والبنا وسيد قطب، أو التغاضي عن التقارب الواضح بين المشروعين السياسيين لكلا الطرفين (السني والشيعي) ووجود أرضية أو أجندة سياسية مشتركة تبرر التعاون بينهما، على الرغم من وجود الكثير من أوجه التناقضات العقائدية التي تخطتها الأهداف والمصالح السياسية المتطابقة. 
وفي هذا السياق لا يمكننا إلا أن نشير إلى احتمال أو حتمية تأثر واستحسان بعض أتباع الفكر السياسي الشيعي المتطرف لانتقاد المودودي للخليفة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، وقرَّبهم ذلك من أفكاره وآرائه.
ولذلك كله استضاف حسن البنا آية الله الكاشاني في مقر الإخوان بالقاهرة في العام 1948، وبعدها تم ترجمة كتاب سيد قطب “المستقبل لهذا الدين” إلى الفارسية.
ولم يقتصر تأثير المودودي على أفكار بعض قادة الفكر السياسي السني المعاصر، فقد تسربت أفكاره أيضًا وبشكل واضح إلى عدد من مفكري الإسلام السياسي الشيعي، بما في ذلك النتاج الفكري للإمام الخميني، فتطورت بالنتيجة حالة من التلاقح والتلاقي بين الفكر الثوري للمودودي والفكر الثوري للخميني كما أكد ذلك سيد ولي نصر (وهو أكاديمي أميركي من أصل إيراني، وابن الفيلسوف الإيراني البارز سيد نصر أستاذ الفلسفة والدراسات الإسلامية) في رسالة الدكتوراه عن جامعة بيركلي كاليفورنيا بعنوان “طلائع الثورة الإسلامية والجماعة الإسلامية في باكستان”، وكتابه الآخر “المودودي وصناعة الإحياء الإسلامي” الذي أصدرته جامعة أكسفورد للنشر.
واعتبر الإخوان وأتباع مدرسة المودودي نجاح الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 تحقيقا لشكل وفكر الدولة الإسلامية التي يتطلعون إليها. وفي 11 فبراير من العام نفسه افتتح فرع للإخوان المسلمين في إيران.
وقد سبق المودودي الإمام الخميني في الدعوة والتنظير للدولة الإسلامية، إذ نشر الخميني كتابه المشهور “الدولة الإسلامية وولاية الفقيه” في العام 1970، بينما كان المودودي قد سبقه بأكثر من 40 عاما عندما شرع بنشر أفكاره حول الدولة الإسلامية وطبعها وقام بتوزيعها منذ العام 1928 والتي كان من بينها كتاب “الجهاد في الإسلام”، وبعدها بأربع سنوات، في العام 1932، باشر المودودي، من مدينة حيدر أباد، بإصدار مجلة “ترجمان القرآن” التي كان شعارها “احملوا أيها المسلمون دعوة القرآن وانهضوا وحلقوا فوق العالم”، وكانت كتابات المودودي في ذلك الوقت باللغة الأردية فقط، وهي إحدى لغات الهند، ويتم ترجمتها للغة العربية، وأصبحت هذه المجلة قناة التعبير الرئيسة لأفكاره، وكان يردد فيها دائما “إن الأفكار وحدها لا تكفي لإحداث التغيير”، وبهذه الخطوات، فقد سبق المودودي أيضًا حسن البنا وسيد قطب في معالجته وتعاطيه مع قضايا البعث الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية، فعندما بدأ المودودي في نشر أفكاره وإصدار كتبه كان حسن البنا يعمل مدرسا بمدرسة ابتدائية بمدينة الإسماعيلية، ولم يترك مهنة التدريس إلا في العام 1946، وكان قد أصبح في العام 1933 رئيس تحرير جريدة “الشهاب”، وهي أول جريدة تصدرها الجماعة، ولم يتجاوز عدد مؤلفاته 14 مؤلفا في مقابل 140 مؤلفا للمودودي.
إما سيد قطب، فقد ألف 25 كتابا عكست مختلف المراحل الفكرية التي مر بها، منها 12 كتابا فقط في الدراسات والشؤون الإسلامية أبرزها كتاب “في ظلال القرآن” الذي استغرق إنجازه 13 سنة (1951 - 1964)، وهو مكون من 30 جزءا والمتضمن خلاصة آرائه وأفكاره.
ومنعًا لمزيد من الاستطالة نختتم هذه الوقفة بتأكيد أن المودودي - رحمه الله - كان إنسانا ورعا غيورا على دينه وعقيدته الإسلامية، وقد اجتهد، فأصاب وخاب، إلا أن الجماعات الإسلامية السياسية في العالم العربي أخطأت دون شك عندما استلهمت أفكاره بشكل عام، وخصوصًا فيما يتعلق بتكفير الدولة والمجتمع والأفراد، ووصف المجتمع الإسلامي العربي بأنه “مجتمع جاهلي” ناقلة ومستنسخة بذلك فكر صيغ وانبثق في مجتمع دولة غير مسلمة بغالبية هندوسية، وهي الهند بظروفها وإشكالاتها وخصوصيتها التي تختلف عن ظروف وخصوصية المجتمع العربي الإسلامي وبيئته العقلية والنفسية.
ولعل الضياع الفكري الذي كانت الشعوب العربية تعاني منه نتيجة للحكم التركي للدول العربية الذي دام لأكثر من 400 سنة، وخلو الساحة العربية من مفكرين عرب مبدعين ومعتبرين جعل مجتهدين عربًا مثل حسن البنا وسيد قطب وغيرهما ينبهرون وينساقون وراء أفكار ونظريات المودودي ويستوردونها، وهي أفكار وجد الباحثون والمختصون والعلماء أنها تعاني من عوار وارتباك فكري خطيرين، وأرجعوا ذلك إلى أسباب عدة، من بينها ضعف القاعدة العلمية والأكاديمية التي كان يستند إليها المودودي، فهو لم يلتحق في صباه بمدرسة نظامية قط ولم يكن له أي حظ من التعليم الديني أو الأكاديمي العالي، إلى جانب عدم تمكنه من فهم العقلية العربية المختلفة والبعيدة عن العقلية التي ولد وتربى وترعرع في كنفها في إحدى المدن الصغيرة النائية بالهند، بالإضافة إلى ما يعانيه من خلل في البنية اللغوية لانعدام أو محدودية بلاغته وتعمقه في اللغة العربية، لغة القرآن والسنة النبوية والفقه والتراث الإسلامي، فأصبح بذلك يفتقد أهم أدوات البحث العلمي الجاد والتمحيص والتحليل الفكري الإسلامي الدقيق والتفتيش في النصوص القرآنية أو الفقهية البليغة المحكمة، فاختلط الدين عنده بالسياسة وتحول الإيمان إلى آيديولوجية.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية