العدد 4791
الجمعة 26 نوفمبر 2021
بعض من سيرة إمام المتقين الإمام علي يوصي بأهل مصر
الخميس 25 نوفمبر 2021

للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الفصاحة والبلاغة ميدان لا تطؤه الفرسان. وله في التقوى والإحسان مقالات تذوب لها القلوب وتقشعر لها الجلود من خشية الله. وله في توحيد الله كلام صار نهجا للعارفين الموحدين. وفي أقواله في زهد الدنيا وزينتها وطلب الآخرة ومغفرتها دليل للسالكين ومثوى للتائبين، ونهج للمستغفرين.

"وعلي مع الحق يدور معه حيث دار" (حديث نبوي)، وفي مقاومته للطغيان والفساد والذلّ والاستعباد، نداء للمستضعفين.

ويعجز اللسان عن تعداد مآثر خطب الإمام علي في نهج البلاغة، وفي سيرة حياته.
وقد تم جمع خطب الإمام علي في كتاب "نهج البلاغة " في عهد الشريف الرضي، وابن أبي الحديد، والشيخ ميثم البحراني، والشيخ محمد عبده، وفي العديد من المصنفات والمدوّنات.

وعهد الإمام علي إلى عامله على مصر (مالك الأشتر)، حاز شهرة عظيمة في هذا العصر، وصار مضربا للأمثال. وأشادت به منظمة الأمم المتحدة (لكونه
أحد مصادر التشريع القانوني الدولي) التي أصدرت قرارا بذلك.
وقد رأيت، تنويرا للأذهان ولجمهور القراء، إيراد بعض من نصوص ذلك العهد لتوضيح المسار الإيماني والحقوقي لتعّم الفائدة.

تمهيد
في سنوات خلافة الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، وبوازع من تقواه وعدله في أمور المسلمين، قرر أن يعيد النظر في أمر الولاة على الأمصار وشكوى
جمهور المسلمين من أثرتهم وطغيانهم ونهب الأموال.
وفيما هو يستعيد حوادث الفتنة الكبرى التي أدت إلى مقتل الصحابي الجليل الخليفة الثالث عثمان ابن عفان (رضي الله عنه)، بسبب شكوى أهل مصر من والي مصر آنذاك عمرو بن العاص، الذي ولاه معاوية بن أبي سفيان عليهم، فقد اختار الإمام علي لهذه المهمة، لإخماد الثورة وإقامة العدل، من يخشى الله ورسوله وهو القائد الشجاع مالك بن الحارث الأشتر.

شارك مالك الأشتر في معركة اليرموك وكان من أبطالها. وفيها شترت عينه بالسيف، أي جفنه السفلى، ولذلك عرف بالأشتر. وهو من قبيلة "النخعي" الموجودة في اليمن.
قال الإمام علي حين علم بموته بعد أن بعث له معاوية من يضع له السم في العسل
... (لمثل مالك فلتبك البواكي).
 

عهد الإمام لمالك
أشاد المؤرخون من المسلمين والأجانب بعهد الإمام علي لمالك الأشتر حين ولاه على مصر، وأشادوا ببرنامجه الإصلاحي في إشاعة العدل والمساواة بين المواطنين في الدولة الإسلامية، بصرف النظر عن دينهم ومذهبهم ولغتهم ولون بشرتهم واتجاهاتهم السياسية والاجتماعية، متمثلين بقول الإمام فيهم.. (فإنهم أمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. أعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه...).
وقد حظي عهد الإمام علي لمالك الأشتر باهتمام خاص من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة، فاتخذت قرارا بشأنه باعتماد رسالة عهد الإمام كونها من أوائل الرسائل الحقوقية التي تحّدد الحقوق والواجبات بين الدولة والشعب.
وبعد: فإن رسالة العهد طويلة ربما تستعصي على النشر كاملة لانشغال صحافة اليوم بأمور الأحداث اليومية.. الخ. ولهذا فسوف نقتصر على إيراد بعض من فقراتها لمصلحة القراء والمنتفعين منها والمستعبرين بسيرتها، كما يلي:

* وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته.

* ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير.

* وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة. وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم.

* ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه. وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيبًا، وأفضلهم حلمًا، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء. وممن يثيره العنف ولا يقعد به الضعف. ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف.
* ومن ثم تفقد أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به. ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالًا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعًا ينتفعون به، وللجسيم موقعًا لا يستغنون عنه وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتى يكون همهم همًا واحدًا في جهاد العدو. فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.
* وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحًا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلًا، فإن شكوا ثقلًا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمدًا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر.

* ثم الله الله ثم في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعًا ومعترًا. واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسمًا من بيت مالك، وقسمًا من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل. وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم.

* واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسًا عامًا فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول اللہ ﷺ یقول في غير موطن: "لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع". ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته. وأعط ما أعطيت هنيئًا، وامنع في إجمال وإعذار.

* وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور. والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه، أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة.

* إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها. والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن. وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.

* وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله تعالى: كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه. وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك. وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم.

* املك حمية أنفك، وسورة حدك، وسطوة يدك وغرب لسانك. واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار. ولن تحكم ذلك نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك. والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها.


* ثم يختم الإمام علي هذا العهد بالتضرع إلى الله عز وجل قائلا:

وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه، من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، وإنا إليه راغبون. والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرا. (1)


1. الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح: صبحي الصالح، قم، الناشر: هجرت، ط 1، 1414 هـ، ص 426 - 445

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .