العدد 4798
الجمعة 03 ديسمبر 2021
التشتت المعرفي
الخميس 02 ديسمبر 2021

هل نعاني من التشتت المعرفي، وكيف استشرت حالة اللاتركيز في مجتمعاتنا؟ هل أصاب التسطُّحُ طريقةَ تفكيرنا وبحثنا عن المعلومة؟ يقول "نيقولاس كاار" في كتابه "The Shallows" إنَّ السببَ الأول لهذه الظاهرة هو عدم الاهتمام بالعقل، حيث يعتمد الإنسان على عواطفه ويُنحِّي عقله. يحدث ذلك حين يحكمُ المرء على الأمور بحسب عاطفته؛ فإذا أحبَّ أمراً آمنَ به ومارسه وإذا كرههُ تركه؛ فإن أحبَّ الصلاة قام إليها، وإنْ كرِهَ الحج لم يسعَ إليه، لا يُحركه العقلُ بل العاطفة.
الإنسانُ المنتبه يستطيعُ التمييز بين ما هو وهمٌ وما هو حقيقة، وهنا لابد للإنسان ليكون منتبهاً أنْ يهتمَّ بالعقل دونَ العاطفة، وبحسب "كاار" فإنَّ لدينا نوعينِ من العقل، العقل الواعي والعقل اللاواعي، العقل الواعي يدركُ أنَّ السيارة يحركها الوقود، وأنَّ الضوءَ أساسيٌ في عملية التمثيل الغذائي، لكنه قصيرُ الذاكرة، بحيث ينسى المرء ناتج عمليةٍ حسابية طويلة بعد بعض الوقت، أو ينسى الطالبُ ما ذاكره قبل الامتحان، أما العقل اللاوعي فهو طويلُ الذاكرة، وهذه الذاكرة الحديدية تُمكنه من تذكُّرِ أحداثِ الطفولة المبكرة بتفاصيلها الدقيقة. ينقل العقلُ المعلومات من العقل الواعي إلى اللاوعي ببطء، حيث يتطلب الأمرُ ساعاتٍ وأياما كي يترسخَ في الذاكرة اللاواعية، ويعتمدُ وقتُ انتقالها وترسُخها على مدى سهولةِ المعلومة أو صعوبتها.
الإنترنت عاملٌ رئيس ساهم في ظاهرة التشتتِ المعرفي، ولست أطالبُ بتدمير الشبكات العنكبوتية حول العالم لدفع الضرر، بل أسعى لتقليل الضرر الناجم عن استخدام الإنترنت. إذا ما تحدثنا مع الكبار نجدهم يتمتعون بقدرٍ كبيرٍ من المعرفة والثقافة في شتى مجالات المعرفة، في حين يفتقرُ الشبابُ الثقافة العامة، ذلك أنَّ الكبار كانوا يستقون العلمَ والمعرفة من خلال الكتاب؛ فالكتابُ يقوم بتصنيف وتقسيم وفهرسة المعلومات بصورةٍ رائعة، بخلافِ المعرفةِ الرقمية. الكثيرُ من المشتتات تكمن في الإنترنت، فما إنْ يلجُ الشباب إلى المعلومة حتى يجد بجانبها العديدَ من الروابط التي تنقلهم لصفحاتٍ أخرى وتطبيقاتٍ مختلفة، وقد تتنافى المعلوماتُ مع بعضها وتتضارب ويدحض بعضها الآخر، كما يعترف الشباب بأنهم لا يُطيقونَ قراءةَ كتاب لمدة ساعتين، أو أنْ يستمعوا لمحاضرةٍ مدتها ساعة في قاعاتِ الجامعة أو الصفوف الدراسية، ويطلبون من المعلمِ أو العالم أنْ يُلخصَ لهم العلم في دقيقتين، وهو دليلٌ على التشتت وعدم التركيز، فطلبُ العلم يحتاجُ الصبر، ولا نستطيع الوصولَ للحقيقة المعرفيةِ إلا بالتأني.
إنَّ التنقلَ السريع بين مواقع الإنترنت ووسائل التواصل المعرفي واليوتيوب يُؤدي لتلقي العلوم بصورةٍ سطحية ومقتضبة؛ فلا يمكنُ لمقالةٍ واحدة أو فيديو واحد أنْ ينقلَ المعرفة بتفاصيلها وتقسيماتها، كما يفعلُ الكتاب، الذي ينقلنا من موضوعٍ لآخر أكثرَ توسعاً ولفصل آخرَ أكثر تشويقا. من هنا نجدُ أنَّ تنقلَ الشباب السريع من موقعٍ لآخر ومن موضوعٍ لآخر على الإنترنت لا يدعُ المجالَ لعقولهم الواعية لنقل المعلومات التي يتلقونها على عُجالة للعقلِ الباطن، حيث الثبات في الذاكرة طويلة الأمد، ما ينتجُ عنه النسيان، الذي يؤدي لعدمِ المعرفة، ويقود بشبابنا للجهل الذي أصبح في تصاعدٍ ملحوظ في عصر العولمة والطفرة المعرفية، في حين كان الجيلُ السابقُ يتسابقُ على نهلِ العلم والمعرفة أدواته المعلمُ والكتابُ ليس إلا.

 

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية