العدد 4798
الجمعة 03 ديسمبر 2021
الشركات الوهمية للاحتيال “شل كمبنيز”
الجمعة 03 ديسمبر 2021

العديد من المنظمات الدولية، ومن ضمنها البنك الدولي والانتربول وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم والمخدرات، يتخذون عدة خطوات لمحاربة الفساد والإفساد في العمل المؤسسي في كل العالم. وفي هذا الخصوص، تقوم هذه الجهات الأممية بإصدار تقارير سنوية عن الفساد والاحتيال وطرقه المتعددة والتوصية بكيفية العمل على محاربة هذه الطرق في مهدها. وما يقلق حقا، أن هذه التقارير تذكر أن هذه الجرائم تكلف الدول والشركات بلايين الدولارات سنويا وكل هذه الأموال “تذهب هباءا منثورا” ويستفيد منها فقط متلاعبو الفساد والاحتيال والإجرام الدولي عابر القارات الذي تنظمه وتخطط له العقول الإجرامية والعصابات العالمية.
ومن الطرق العديدة في مجال الفساد والاحتيال نجد أن تأسيس “الشركات الوهمية للاحتيال” يتصدر قائمة الممنوعات الإجرامية. وهذه الشركات تسمى جوازا “شل كمبنيز” حيث يتم تأسيسها كواجهة للتمويه بينما الغرض الرئيسي من تأسيسها تسهيل عمليات الاحتيال والفساد وغسل الأموال والتجارة غير القانونية والمخدرات والرشاوي وغيرها بما في ذلك الاتجار بالبشر. وتأسيس الشركات كما يقولون “كلمة حق أريد بها باطل”، خاصة وأن لهذه الشركات مئات الطرق الاحتيالية مما يجعل اكتشاف أمرها صعبا ومرهقا وقد يكون مستحيلا في بعض الحالات لدهاء الفكر الإجرامي. ولكن لا بد من مجابهة هذه النشاطات الإجرامية التي تضر بالاقتصاد والإنسان وتؤثر سلبا على العمل المؤسسي الرشيد ومهما كلف ذلك، ولا بد مما ليس منه بد.
وهناك فئات تخصصت في هذا النوع من العمل ويجدون من يساعدهم ويسهل لهم الأمور بشتى الطرق. وبمرور الزمن تكونت لديهم خبرة طويلة بكيفية تأسيس الشركات والقوانين والضوابط المطلوبة لذلك ونقاط الضعف أو الخلل. وعبر هذه الخبرات التراكمية أصبح لديهم حاسة الاستشعار التي تقودهم إلى معرفة كل الأسرار المتعلقة بتأسيس الشركات وكيفية بدايتها ونهايتها دون أن يشعر بهم أحد من الاختصاصيين والمشرفين. والإجرام يلبس طاقية الإخفاء ولا يرى بالعين المجردة.
وفي غالبية الدول، يجوز لأي شخص مؤهل ولديه الإمكانات المادية والمعنوية تأسيس شركة أو شركات وهذا الإجراء في حد ذاته مشروع بل مرغوب جدا في معظم الحالات والبلدان التي تنظر له كمصدر دخل إضافي وفتح المجال للشغل والتوظيف. ولهذا فان الفرصة سانحة للاقتناص وتكملة الإجراءات ومن ثم بداية العمل الإجرامي المستهدف والمخطط له بكل عناية. ونقول، إن على الجهات المختصة بالترخيص لقيام الشركات في كل مكان، أخذ الحذر الكافي عند تقييم ومراجعة طلبات تأسيس الشركات. ما نقصده هنا، القراءة ما بين السطور وفتح العين والذهن لكل شاردة وواردة في هذه الطلبات وفي فحص المستندات المرفقة ودراسات الجدوى وغيرها. 
وما ننصح به، إعادة النظر في الفورمات الجاهزة لتأسيس الشركات إضافة لوضع المزيد من الضوابط والمزيد من البيانات لجمع كل المعلومات الضرورية التي تساعد في التقييم الحقيقي للطلب قبل الترخيص. ومن المستحسن، إجراء تقييم أولي وفحص شامل كامل (ديو ديليجنس) عن مقدم طلب تأسيس الشركة، نوع الشركة، أهداف الشركة وأغراضها ورأسمالها وأصحاب رأس المال وجنسياتهم وأعمارهم وغيره من التفاصيل الضرورية المكملة. وإضافة لكل هذا، نلفت النظر إلى أهمية التمعن في فحص دراسة الجدوى وأهدافها ومن أعدها والمراجع المستند عليها وما يؤيدها في كل التفاصيل. كل هذه الخطوات الأولية، في نظرنا، ضرورية للتقييم والفحص قبل الترخيص النهائي، ومن ضمن هذه التفاصيل ربما نجد ما يلفت النظر إلى ما يثير الشكوك، وهنا مربط الفرس. إن المراحل الأولية من تقديم طلب التأسيس وفحصه ومراجعته لها أهمية قصوى وقد تفتح الباب للشك مما يقود لعدم الترخيص. وبهذه الإجراءات يتم قفل الباب في وجه من يحاول تأسيس الشركات الوهمية الاحتيالية.
معظم الدول تفتخر بعدد الشركات التي يتم تأسيسها وسرعة التأسيس والترخيص، وهذا أمر محمود للغاية، ولكن الحذر واجب. ونقول العبرة بالكيف وليس الكم. ولنحرص على تأسيس الشركات النظيفة التي تساهم في دفع الاقتصاد للأمام وفتح الباب للمنافسة الشريفة من الجميع لخدمة الوطن والمستهلك والصناعة المؤسسية السليمة.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية