العدد 4808
الإثنين 13 ديسمبر 2021
مبادرات على طريق الانعتاق من قيود الجهل والتخلف
الإثنين 13 ديسمبر 2021

القرار الذي اتخذته قبل أيام دولة الإمارات العربية المتحدة بتمديد وتحريك مدة العطلة الأسبوعية لتشمل يومي السبت والأحد وتقليص عطلة يوم الجمعة مع إتاحة الفرصة لأداء “صلاة الجمعة”، قرار لا يتعارض مع تعاليمنا الدينية أو موروثاتنا التراثية، وله بكل وضوح وجلاء ميزاته ومبرراته العملية والاقتصادية الكثيرة، إلى جانب ذلك وأهم منه فإن لهذا القرار رمزية بالغة العمق وشديدة الأهمية؛ فهو يأتي ضمن جملة من المبادرات التي تبنتها دول الخليج العربية خلال السنوات القليلة الماضية والتي تهدف في الأساس إلى إزالة العقبات والحواجز المصطنعة التي عاقت وتعوق دولنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية عن الاندماج في المجتمع الدولي وفي مجرى التاريخ الحديث، وتمنعنا من اللحاق بركب الحضارة والتقدم، ومن العودة إلى المكانة السابقة اللائقة والمتقدمة التي كنا نتبوؤها في ذلك الركب عندما كنا نتمسك بالروح الحقيقية للإسلام وبلُبّه وجوهره وليس بقشوره فقط.
ويأتي في قمة كل هذه المبادرات القرارات التاريخية الشجاعة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة، وبدعم ومساندة من ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله ورعاهما؛ ومن بينها قرار إنشاء المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) وقرار إنشاء مجمع للحديث النبوي يهدف إلى الكشف عن المفاهيم المكذوبة عن الرسول الأعظم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وكذلك إنشاء هيئة للتدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية و”القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأي نصوص تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب”.
كما يأتي على رأس هذه المبادرات الخطوات العديدة المهمة التي تبنتها حكومة مملكة البحرين والتي شملت إنشاء مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي وتأسيس المجلس الأعلى للمرأة، الذي اسندت مسؤولية رئاسته وإدارته إلى صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة عاهل البلاد المفدى حفظها الله ورعاها.
‎  وليس ثمة صادق ومنصف بين العرب والمسلمين إلا ويقر ويعترف بكل مرارة وأسى بأننا قد بلغنا اليوم أقصى درجات التفكك والانقسام والجهل والتخلف مقارنة بالأمم الأخرى، وتلاشى وجودنا وانعدمت مساهماتنا في المنجزات العلمية والحضارية التي تحققها البشرية كل يوم؛ ما جعلنا نهوي إلى أسفل القاع الحضاري وننتهي إلى مؤخرة ركب التقدم والنمو الحقيقي للمجتمع الإنساني.
إن مبادرات وجهود دول الخليج العربية في هذا الاتجاه انصبت في السنوات الأخيرة كما ذكرنا على إزالة الحواجز والمعوقات المصطنعة والمفبركة باسم الدين؛ بحيث يتمكنون من الاندماج الإيجابي بنسيج المجتمع الدولي، وينجحون في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وبما يمكنهم من الانخراط والمساهمة الفعالة في ترسيخ ركب الحضارة والتقدم، وما يتطلبه ذلك من انفتاح على العالم، واحترام الآخرين ومعتقداتهم الدينية، وتعزيز قيم الحريات الشخصية والعامة، والارتقاء بمكانة المرأة ودورها كونها تمثل نصف المجتمع وحاضنة أجياله، وإصلاح التعليم، وفك الحصار عن الفنون والثقافة والآداب، وإزالة الجفوة المصطنعة بين العلم والدين، ومحاصرة الفكر التكفيري، ومحاربة التطرف والعنف والإرهاب، وتنقية تراثنا الديني من كل ما شابه من تلطيخ وانحراف، وإبراز الوجه الحقيقي المشرق لديننا الإسلامي الحنيف أمام العالم كله كدين ملتزم بمبادئ التسامح والسلم والمحبة والتعايش والتعاون بين الشعوب والأمم وكافة مكونات الجنس البشري.
وقبيل انهيار الامبراطورية العثمانية في العام 1922 وبعده، وخلال العقود والسنوات الأخيرة ارتفعت أصوات الكثيرين في العالم العربي والإسلامي من المفكرين والمثقفين والمصلحين والغيورين على مستقبل العرب والمسلمين مطالبة بالسعي والإسراع في الخروج من شرنقة الجهل والانفلات من قيود التخلف التي وجد العالم العربي والإسلامي أنه انزلق إلى قعرها، إلا إنهم اخفقوا وفشلوا في مساعيهم التنويرية أمام شراسة دعاة التخلف وقوى المحافظة والممانعة الحضارية التي تمكنت من إجهاض كل الجهود الحداثية، فظل العالم العربي والإسلامي يقبع تحت هيمنة فكر أصولي متجمد متكلس جعله مُقعدًا مشلولا عاجزا متأخرا بمسافات طويلة عن ركب الحضارة والتقدم الذي بدأ العالم الغربي بتحريكه ثم قيادته بعد أن تخلص من سطوة وخرافات وأغلال الكنيسة وسيطرتها والقيود التي فرضتها على مجريات الحياة في العالم المسيحي، وبعد أن نجح المجتمع الغربي في فصل الدين عن الدولة على قاعدة “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”.
لقد اضطلع بمسؤولية التصدي لعوامل التخلف والجهل في أوروبا مصلحين وقادة ومفكرين في المجتمع الغربي وضعوا على عاتقهم مسؤولية احترام المعتقدات الدينية وإبعادها عن التغلغل في الشؤون العامة للمجتمع والحفاظ على مكانة الدين المسيحي ووضعه في مكانه اللائق الصحيح بعيدا عن الاستغلال والابتزاز الكهنوتي الظلامي.
ولم يشهد العالم العربي حالة مثل حالة الصحوة والنهضة التي شهدتها أوروبا، فقد أخفقت حتى عهد قريب كل محاولات المفكرين والمثقفين العرب في تحقيق أي نجاح في هذا الاتجاه، إلى أن قيض الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام للعرب والمسلمين قادة خليجيين، مدعومين من شعوبهم، أدركوا أهمية الحاجة إلى سرعة التحرك والانطلاق ببلدانهم وشعوبهم نحو آفاق المستقبل المفعم بالثقة والأمل والإيمان والسلم والرخاء بما يمكنها من المساهمة الفعالة الملموسة في الإبداع والعطاء الإنساني وفي تعزيز ركب التقدم والحضارة الإنسانية، متحملين في سبيل ذلك ما يتعرضون له من تجني قوى الجهل والتخلف من مستثمري الرأسمال الديني وابتزازهم وإرهابهم الفكري.
إن التاريخ سيسجل في يوم من الأيام أن العرب قد تمكنوا ونجحوا أخيرا في الانعتاق والإفلات من أغلال الجهل والتخلف بعد أن نهضوا من كبوتهم وأفاقوا من غفوتهم وسباتهم، وأن نقطة البداية كانت في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وحدث ذلك بفضل المبادرات الكثيرة والشجاعة لعدد من قادة الدول العربية الخليجية والتي كان من بينها وليس من أكبرها أو أهمها القرار الأخير الذي اتخذته حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة بتغيير وتمديد عطلة نهاية الأسبوع لتشمل يومي السبت والأحد والاستفادة من النصف الأول من يوم الجمعة للبيع والعمل والتواصل مع أسواق العالم، ومن دون المساس بإمكانية أداء صلاة الجمعة جماعة لمن يرغب في ذلك؛ تماشيا مع قوله سبحانه وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ۚ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون”، صدق الله العظيم.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية