العدد 4843
الإثنين 17 يناير 2022
حظْر... حذْف!
الأحد 16 يناير 2022

إنه العامُ ألفان وثلاثون للميلاد، الشوارعُ شبه خالية، والمجمعاتُ التجارية والمقاهي تبعث على الهدوء والراحة، قد ودَّعَ العالمُ الازدحام وانحدر معدلُ الحوادث المرورية بشكلٍ مُلفت.. لا مهاترات ولا مشاجرات في الشارع والعمل، وبين أفراد الأُسر، الجميع يملك جهازاً مصاحباً لهواتفهم النقالة، يستخدمونه أكثر من جوالاتهم الأثيرة حتى، جهازُ “الحظر والحذف”، ليس معقداً بالمرة، فهو يشبهُ جهاز التحكم عن بعد، تتحكمُ فيه بالأشخاصِ من حولك، وهو لا يحتوي سوى على ثلاثة أزرار، “حظر، حذف، ومتابعة”، حين يستفزك شخصٌ ما أو يُؤذيك، أو يتحرشُ بك، فما عليك سوى الضغط على زر الحظر، والحذف، أما إنْ كان هذا الشخص ملتزماً بالاحترامِ والذوق العام، فيكفي أنْ تضغط على زرِ متابعة.. بهذه البساطة، وهذا ما خفف الاختناقات المرورية والتفجر السكاني في العالم، وجعل التسوق والذهاب لمراكز الترفيه أكثرَ متعة، وباتتْ الكرةُ الأرضية أكثرَ أماناً من ذي قبل، “احْظر السيئين واحذفهم، وأبق على الخيرين وقربهم”، هي الرؤيةُ الحاضرة لهذه المرحلة، فهل نحن بصدد تحقيق هذه الرؤية لمستقبلنا وسلامنا الداخلي لنحيا بمأمنٍ من المتطفلين والفضوليين في زمن عصفتْ به العولمة، وحشرَ كُلٌ أنفهُ في حياةِ الآخر؟


هل نقولُ للمتدخلين في حياتنا الخاصة وداعاً، لا حاجة لمعرفتكم؟ لكلِ أولئكَ الذين يظنون أنهم مدعوون لفتحِ حوارٍ أو إجراءِ اتصالاتٍ معك عبر السوشال ميديا؛ لأنك أحدُ المشاهير، أو لأن خاصيةَ طلبِ الصداقة أو المتابعة متاحةٌ في بعض وسائل التواصل، أنتم مدعوون للمتابعة والتعليق بكل احترامٍ، إنْ شئتم، ليس إلا.


ليس عبر وسائل التواصلِ الاجتماعي فحسب تقابلُ هذا النوع من البشر، بل وحتى في المجتمع الذي تحيا فيه، حيث يدسُّ بعضُ زملاء العمل أو المعارف أنوفَهم في كل خصوصياتكَ ويسألونك عن كل شيء، وإنْ كان خاصاً وحساساً بالنسبة لك في حضرةِ آخرين يشاطرونه فضوله فتشرئبَّ أعناقُهم لسماعِ إجاباتٍ لا يجدرُ بكَ أنْ تتفضلَ بها أمام الملأ. أقول، فعِّلْ جهازَ عقلك، وامنحْ قلبكَ الطيب إجازة، واحْظر هؤلاء واحذفهم من حياتك للأبد، وإنْ عزَّ عليك ذلك، فأفش بينهم السلام ولا تُفش شيئا من أسراركَ لأحد، قل لهم لا دونما خجل، لا لن أجيب على سؤالك، لا دخل لكم في حياتي الخاصة، ليس لكم مني سوى حسن الخُلُق والتعامل، حياتي تخصني وحدي، وأنا فقط من يقرر أنْ يشارككم بعضَ أحداثها، أعطِهم فرصةً أو اثنتين، وإن لم ينتهوا فلن يُنهيهم سوى الحظر والحذف من حياتكَ افتراضا وواقعا.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية