العدد 4843
الإثنين 17 يناير 2022
مع الأمير تركي الفيصل والملف الأفغاني
الأحد 16 يناير 2022

حصلتُ قبل أيام على نسخة من كتاب “الملف الأفغاني” لصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل آل سعود، فوضعته على رأس الكتب المتراكمة على طاولة مكتبتي، والتي أنوي قراءتها، وقد صدر الكتاب في الأساس باللغة الإنجليزية، وصدرت النسخة العربية منه قبل بضعة أشهر، وبعد أن شرعت في قراءته لم أستطع التوقف إلا بعد إتمامه.


وقد كُتب الكتاب بأسلوب رصين مشوق، وهو بكل وضوح من الكتب التي لا غنى عن قراءتها للمهتمين بشؤون وقضايا المنطقة وما شهدته أو تشهده من تطورات، ويوفر في الوقت نفسه مادة قيمة؛ لتتبع جذور المشاكل التي تعاني منها أفغانستان ولاستيعاب طبيعة الأدوار التي أداها اللاعبون الأساسيون على المسرح الأفغاني منذ الغزو السوفييتي لذلك البلد العنيد في العام 1979 حتى العام 2001 عندما انتهت مهمة الأمير تركي الفيصل كرئيس لجهاز الاستخبارات السعودية وقبيل كارثة الحادي عشر من سبتمبر من ذلك العام.


والكتاب يتضمن تدوينا مترابطا وتوثيقا محكما لسلسلة الأحداث والتطورات والمآسي التي شهدتها أفغانستان في تلك الفترة، كما يؤكد الدور الحاسم للمملكة العربية السعودية في توجيه وقيادة الجهود التي أدت إلى دحر غزو السوفييت وانسحابهم المُهين من أفغانستان في العام 1989 ما أدى بالنتيجة إلى انهيار الاتحاد السوفييتي بعد ثلاث سنوات وانحسار المد الشيوعي ونهايته.


ولم يكن قرار المملكة العربية السعودية بنصرة الشعب الأفغاني في مقاومته الاحتلال السوفييتي منطلقا من قناعات مبدئية فقط، بل كان مرتكزاً أيضًا على قضايا الاستقرار والأمن في المنطقة وعلى ضرورات حماية المصالح الوطنية العليا للمملكة في مواجهة الأطماع والسياسات التوسعية للاتحاد السوفييتي، الذي بدأ بالفعل في التغلغل وتوسيع رقعة نفوذه في منطقة الشرق الأوسط، فقد نجح في خلق أو دعم أنظمة عربية انقلابية صارت تعمل تحت مظلته وتدور في فلكه متبنية معتقداته الاشتراكية واليسارية، وكان أبرزها النظام القائم وقتها في اليمن الجنوبي المتاخم للحدود الجنوبية للمملكة والذي اعتنق العقيدة الشيوعية بكل صرامة والتزام، وفي هذا السياق جاء دور أفغانستان لجرها إلى بيت الطاعة عندما سعى السوفييت إلى تغيير النظام فيها عبر سلسلة من الانقلابات التي أدت بالنتيجة إلى استباحتهم سيادتها واحتلالهم أراضيها، وقد أدركت القيادة السعودية أن الخطوة التالية في مخطط التوسع السوفييتي بعد احتلال أفغانستان ستكون من دون أدنى شك احتلال باكستان وضمها إلى المنظومة الشيوعية أو الاشتراكية وتحقيق حلم الاتحاد السوفييتي في الوصول إلى المياه الدافئة.


وتنبع بل تتضاعف أهمية هذا الكتاب من أهمية موقع ومكانة كاتبه؛ فالأمير تركي الفيصل من بين أبرز أعلام وأقطاب الأسرة الملكية السعودية، وكان المسؤول الأول والمباشر للملف الأفغاني بحكم موقعه على رأس جهاز الاستخبارات العامة للمملكة لأكثر من عشرين عامًا (1977 - 2001)، وهي فترة كانت حافلة ومتخمة بالأحداث والتحديات.


والأمير تركي الفيصل موصوف بطرحه المتزن الرزين وبتواضعه ودماثة خلقه، وهو متحدث مقتدر لبق ووجه محبوب ومألوف على مختلف المنصات والمنابر الإعلامية. وما ورد في الكتاب جاء ليؤكد ما هو معروف أيضًا عن كاتبه من أنه إداري محنك يؤمن بالقيادة من الأمام، فلم يكتف بالاضطلاع وتأدية مسؤولياته وواجباته تجاه الملف الأفغاني من وراء طاولة مكتبه، بل أصر على المتابعة الميدانية المباشرة، فكان يتنقل بين عواصم القرار الأساسية وبين المدن الأفغانية التي كانت مسرحًا للاشتباكات بين الأطراف المتنازعة والمتقاتلة ، وهو بذلك لم يكن شاهدا من قلب الحدث فحسب، بل لاعب محوري، ومحرك رئيس، ومتابع للحدث وتطوراته عن كثب، ومطلع على أدق تفاصيله.


وفي عجالة هذا المقال القصير لن نستطيع أن نعطي كتاب “الملف الأفغاني” وكاتبه حقهما من الإشادة و الثناء، كما أن المجال الضيق لن يسمح لنا باستعراض ما ورد فيه من تفاصيل وتحاليل، لكننا سنكتفي بالتوقف القصير المقتضب عند محطة أو صفحة واحدة من صفحات هذا الملف الشائك، وهي الصفحة المتعلقة بأسوا منعطف على طريق التطورات والأزمات التي عصفت بأفغانستان بعد الانسحاب السوفييتي ولا تزال تعصف بها، وهو تخلي الدول الغربية المساندة وعلى رأسها الولايات المتحدة عن مسؤوليتها وعن اهتمامها بهذا البلد المضطرب بعد أن شعرت في العام 1989 بأنها قد حققت هدفها بهزيمة الاتحاد السوفييتي وإجلائه عن الأراضي الأفغانية، على خلاف المملكة العربية السعودية التي أدركت أن الفراغ السياسي والأمني الذي أحدثه الانسحاب السوفييتي سيؤدي إلى حالة من الاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار والاقتتال بين الفصائل المسلحة التي حاربت الاتحاد السوفييتي، فاستمرت في تقديم الدعم بكل أشكاله وكثفت من جهودها ومحاولاتها؛ لرأب الصدع بين رفاق السلاح وشركاء الوطن ووقف الاقتتال بينهم وتشكيل حكومة مستقرة، لكن الأمر أخذ في التشعب والاتجاه إلى المزيد من التعقيد، وقد نتج عن هذا الفراغ وحالة الاضطراب والاستقطاب التي كانت تعيشها أفغانستان صعود نجم “تنظيم القاعدة” بقيادة أسامة بن لادن الذي كان يحمل الجنسية السعودية، وتوسُع هذا التنظيم ثم تورطه في هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 الذي شارك فيه 15 انتحاريا إرهابيا ممن يحملون الجنسية السعودية أيضًا؛ ما جعل السعودية تتعرض إلى ضغوط وحملات إعلامية وسياسية شرسة ومجحفة واتهامها بتمويل المنظمات الإرهابية مثل القاعدة التي ارتكبت تلك الحماقة والجريمة البشعة التي كان لها في الواقع أخطر التداعيات على المجتمع السعودي في الجوانب السياسية والأمنية والاجتماعية وغيرها.


إن القارئ لكتاب الأمير تركي الفيصل لا يمكن إلا أن يهتز ضميره ويحس بالتقدير والإكبار والتعاطف مع المملكة العربية السعودية والأسلوب الذي اتبعته في معالجتها وتعاطيها مع الملف الأفغاني منذ اللحظة الأولى عندما هبت دون تردد لنصرة الشعب الأفغاني ودعمه بلا حدود إلى أن استعاد حرية واستقلال بلاده. ولاشك أن القادة السعوديين قد أحسوا بالخذلان وخيبة الأمل عندما عجزت الفصائل المتناحرة وفشلت في الاستفادة من المبادرات المتكررة والجهود المضنية التي بذلها السعوديون؛ بهدف لم شملهم وتجنب الانشقاق والاقتتال فيما بينهم، كما أن طالبان المستفيد الأكبر خذلت السعودية عندما تولت السلطة ورفضت الاستجابة لطلبها بوقف نشاط بن لادن وتسليمه للولايات المتحدة بعد أن أصبح وجوده في أفغانستان يشكل خطراً وتهديداً لمصالحها وعلاقاتها الدولية، فكان موقف طالبان هذا من أبشع صور الجحود ونكران الجميل.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية