العدد 4856
الأحد 30 يناير 2022
الرأسماليةُ وجذبُ المال
الأحد 30 يناير 2022

في خزائننا تتكدسُ منتجاتٌ مختلفةُ الأنواع والاستخدامات لمْ يمسسها بشر، اشتريناها وخزّناها ليس إلا.. لِمَ تُرانا نشتري كل هذا الكم من المنتجات بلا سببٍ ولا حاجة؟ ما الذي يدفعنا للشراء إنْ كنا لن نُفعِّلَ المنتجَ أو نستهلكه على الإطلاق؟ أهي الحاجةُ للمنتج، أم الذكاء الإعلاني الذي يجعلنا نتهافت على شراء المنتج بثقةٍ عالية في جودته وفاعليته وتميزه على غيره من المنتجات؟
حين انطلقت الثورةُ الصناعية عقِبَ الكساد الذي أحدثته الحربُ العالمية الثانية، كان الإعلان للمنتجات الصناعية ضرورةً ملحةً لإيجاد السوق الملائمة لإنعاش الاقتصاد العالمي من جديد بعد كل الدمارِ والجوع الذي أفرزته الحروبُ الطاحنة في مطلع القرن الماضي، وكانت الصحف التي بدأت بالظهور وسيلة ملائمة للإعلان، تلاها التلفاز الذي كان يعرضُ دعاياتٍ صاخبة لمنتجاتٍ لم تكن مألوفة لدى الناس تسهل الحياة وتختصر الوقت والجهد، غرابةُ المنتج وحداثته وتذليله الصعاب كان كفيلاً بأن يدفع المستهلكين لاقتنائه فضولاً ورغبة في تطوير نمط الحياة حينئذ. ثم تطور أسلوبُ الإعلان عن المنتجات لتسارع التحديث للمنتج وتنافسِ الشركات العالمية في الترويج لمنتجاتٍ مُشابهة. إنهم يجعلونكَ تشعر بأنَّ ما تملكه ليست له قيمة، وبأن المنتج الذي يروجونَ له هو الأفضل والأكثر تطوراً.. سيارتك مثيرةٌ للحرج ولا تتمتع بميّزاتٍ وتقنيات عالية كالسيارة التي يقومون بالإعلان عنها، ملابسكَ البيضاء ليست بيضاء لأنَّ مسحوق الغسيل الذي تستخدمه سيء والمسحوقُ المعلن عنه هو الحل للقضاء على اصفرار ثيابك، وهكذا.. هم يُشعرونكَ بالنقص وبأنَّ هذا المنتج الخارق يُكمِلُك.
كل ذلك قائمٌ على دراسة متعمقة في سيكولوجيةِ النزعة الاستهلاكية من قبل مؤسسات الرأسمالية العالمية، ليس عبثاً عرضُ منتجاتٍ معلبة بألوانٍ فسفورية، أو شراء قطعة ما وأخرى مجاناً، وتخفيضات تصلُ إلى سبعين بالمئة، والجمعة البيضاء والجمعة السوداء، ومشاهير السوشال ميديا الذين يُروِّجونَ للمنتجات بحذق متناه، لاتصالهم المباشر بالمستهلكين، سهولة التسوقِ “أونلاين” ليست كابحة لجماحِ الرغبةِ العارمة في الاستهلاك لسدِّ النقص النفسي لدى بعض الأفراد الذين يظنونَ بأن السلعة التي يشترونها تأخذهم للكمال، وترسمُ هواياتهم التي يُعبِّرونَ عنها بما يشترونه، “فنحن ما نمتلكه”. إنَّ محاولةَ تشبُّهنا بالآخرين الذين يملكونَ قدرةً عاليةً على الشراء والاستهلاك تزجُّ بنا في دائرةٍ مُفرغةٍ من الاستهلاكِ للوصول لما وصلوا إليه، ندرةُ السلعةِ التي تدفعُنا للشراء بسرف، ليست سوى وهمٍ يُمارسهُ أصحابُ المال، ونحنُ من يُعطيهم أموالنا بصَغارٍ ليغْنوا هُم ونفتقر نحن.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .