العدد 4857
الإثنين 31 يناير 2022
سفارة الإمام المهدي المنتظر والفتنة بين المسلمين 2-2
الإثنين 31 يناير 2022

لقد أصبح اليوم لـ”جماعة السفارة” أو “جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية”، إلى جانب مقرها الرسمي بالسلمانية أكثر من مركز أو بؤرة للتجمع، وأخذت تركز على استقطاب الفتيات والشباب والصغار واصطياد الأطفال بتخصيص برامج لهم مثل برنامج “سمائي للأطفال”، وتنظيم معسكرات ومخيمات صيفية، والاستثمار وتأسيس رياض أطفال ومراكز تدريب، ولأن مزاولة الجمعية لمثل هذه الأنشطة تعتبر انحرافًا بأهدافها ومخالفة للقانون؛ فإنه يتم التمويه والالتفاف على القانون بتسجيل هذه المشاريع بأسماء عدد من أعضائها الملتزمين، بما يحقق في الوقت نفسه تعزيز ارتباطهم وانتمائهم للحركة وتوفير منافع ومصالح مادية لهم، كما يتم إنتاج الأفلام وإصدار وتوزيع كميات كبيرة من الكتب والمطبوعات، شملت على سبيل المثال فقط مجموعة “عندما نطق السراة” المكونة من 9 مجلدات، وتأليف وتلحين أغان ومقطوعات موسيقية خاصة بهم مثل “صمتنا لن يطول” أو الأنشودة الموسيقية “شرعة الروح” التي تبدأ بالبيت التالي: “من ها هنا.. من ها هنا.. من قلبك المكلوم تبزغ ثورة الفجر الجديد”.
وتقيم الجمعية بانتظام دورات تدريب وندوات ومؤتمرات تدعو وتستضيف إليها متحدثين من الخارج، وتحرص على المشاركة في المؤتمرات الخارجية، وتقوم بإدارة المواقع الإلكترونية وتوظيف التقنيات المتطورة، وتقدم الدعم المالي السخي للأعضاء المحتاجين؛ كل هذه الأنشطة والفعاليات وسّعت من دائرة الشكوك والشبهات بشأن هذه الجماعة والجمعية وجعلتها محط كثير من التساؤلات حول حقيقة أهدافها ومصادر تمويلها، إضافة إلى ذلك فإن عددًا من أعضاء الجمعية انشقّوا وانسحبوا منها وسجلوا شهاداتهم الموثقة على ما يدور خلف أسوار تلك المؤسسة من ممارسات وتصرفات غريبة شاذة وفساد أخلاقي ومالي.
وتحت بيرق “تحرير العقل والفكر” تحولت الجمعية إلى “محفل” نرجسي يضم عددًا من ملاك الحقيقة الذين يدّعون العلم والمعرفة في مجالات الإفتاء والفلسفة والتفسير والميتافيزيقيا والتنجيم وغيرها، إلا أن نتيجة ومحصلة اجتهاداتهم وجهودهم لم تتعد محاولات للتنظير السطحي المتخم بالرمزيات والطلاسم وبالحشو اللغوي المتضمن للكثير من التجديف والهرطقات المبهرجة البعيدة عن المنهج التأصيلي المدعوم بالأدلة والبراهين أو الأسلوب العقلي أو العلمي الاستدلالي. 
 إن أسلوب الطرح الذي تتبعه هذه الجماعة سيؤدي بدون أدنى شك إلى إثارة الفتن والأحقاد وحفر الخنادق وخلق العداوات والانشقاقات بين مكونات المجتمع؛ وهو أسلوب مرتكز أساسًا على “مسرحية سفارة الإمام المنتظر” وعلى رؤى وأحلام “سفير الإمام”؛ الهدف منها بكل وضوح محاولة الزحف إلى مراكز القيادة الدينية والفقهية والانقضاض منها بعد ذلك على كراسي الحكم بحجة التوطئة لعودة الإمام المنتظر وإقامة الدولة المهدوية.
(هناك شهادات موثقة بإقرارهم أو ادعائهم بأن “الإمام الخميني كان على اطلاع كامل بدقائق وتفاصيل ما هم عليه”).
وفي كل مساعيهم وتحركاتهم، فإن أعضاء الجمعية يتذرعون بحقهم في حرية الرأي والتعبير والمعتقد متغافلين عن حقيقة أن حرية الرأي لا تعني التجني والإساءة للآخرين والتجديف والطعن في معتقداتهم ومقدساتهم واستغلال الدين لجمع الأموال دون وجه حق وتدويرها وغسلها.
وحتى الأشهر القليلة الماضية كان الصراع منحصرًا ضمن أسوار المكون الشيعي ومتجليًا في مظهره العقائدي ومرتبطًا ببعض من جزئيات المعتقدات الشيعية؛ فلم يكن من الحنكة والكياسة أن تتدخل الدولة أو أي أطراف أخرى بأي شكل من الأشكال، إلا أن الأمر قد بلغ الآن مرحلة خطيرة؛ وقفز تطاول جماعة التجديد فوق الأسوار، وامتد ليمس الثوابت الدينية المشتركة المستقرة في وجدان جميع المسلمين ويطال أقدس مقدساتهم جميعًا وهو القرآن الكريم، ما قد يدفع أو يضطر المكون الإسلامي الآخر إلى الانزلاق إلى حلبة الصراع؛ وهنا تتسع دائرة الفتنة لا قدر الله.
ومن بين أبرز أوجه التجديف والطعن والسطو على الثوابت والمقدسات والمعتقدات المشتركة بين جميع المسلمين بمختلف مذاهبهم ومدارسهم؛ قول أحد محدثيهم أو منظريهم بأن ما ورد في القرآن الكريم (وفي التوراة أيضًا) من آيات ومعاجز متعلقة بأنبياء الله ورسله هي مجرد “خرافات” و”وهم لا واقع له”، يقول بالحرف الواحد: “نار إبراهيم عليه السلام، ناقة صالح، طوفان نوح، عصا موسى، عيسى وإحياء الموتى، إلانة الحديد لداود، تكلم سليمان عليه السلام مع الطيور والحيوانات، ابتلاع الحوت ليونس، حمار عزير، بقرة موسى عليه السلام، كل هذه المعاجز خرافات، كلها تصورات بدائية خاطئة تزري بإيمان المؤمن ووعيه، الأمر كله مجرد دعاوى ومحكيات وتأليفات وقصص عصور الظلام”.
ونحن هنا لسنا بصدد أو في موقع المقدرة على تفنيد هذه الادعاءات أو الرد عليها؛ فلهذا الأمر رجاله وأعلامه المقتدرون، لكننا نكتفي بالإشارة إلى هذه المغالطات والمفارقات الفاضحة الصارخة التي يكتنفها خطاب الجماعة، ففي الوقت الذي انطلقت ولا تزال ترتكز فيه دعوتهم وأفكارهم على معجزة الإمام المهدي المنتظر الذي اختفى عن الأنظار منذ أكثر من ألف عام ولا يزال على قيد الحياة يتأهب للظهور في الوقت المناسب حسب المعتقد الشيعي، فإنهم يستنكرون وينكرون ويتهكمون على المعاجز الواردة في القرآن الكريم والتي منها أن النبي موسى عاش لقرابة ألف عام ثم انتقل إلى جوار ربه، إن المعجزات التي يشكك ويطعن فيها ويستبيحها منظرو جماعة السفارة أو التجديد إنما وردت في القرآن الكريم ضمن مسار وتطور رحلة الجنس البشري نحو الإيمان ونحو الحقيقة، وجاءت تجسيدًا وتدعيمًا وتأكيدًا لملاحم الصراع الأزلي بين الخير والشر، وبين الحق والباطل الذي ينتهي عادة بهزيمة الشر والباطل وانتصار الخير والحق، وهي وقائع أو مرويات مقدسة فهمها واقتنع بها وأصبح يؤمن بها البلايين من البشر منذ آلاف السنين، ولا يحق لأي متحذلق أو متفذلك فاقد للأهلية والكفاءة العلمية أن يطعن في إيمانهم وقناعاتهم بها.
جماعة جهيمان العتيبي انطلقت من نظرية المهدي المنتظر بنسختها السنية ومن فكرة “التجديد”، وفعلت ما فعلته في وسط بيت الله الحرام في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وفي التوقيت ذاته (بداية الثمانينات) انطلقت جماعة السفارة من نظرية المهدي المنتظر أيضًا، ولكن بنسختها الشيعية، رافعة هي أيضًا شعار “التجديد”. فهل كان التوقيت مجرد صدفة؟ أم قُدّر له أن يكون بمثابة الرسالة والجرس الذي يقرع اليوم أمام أبواب الأجهزة الرقابية والأمنية في البلاد وأبواب المجلس الإسلامي الأعلى وأبواب الجهات والوزارات المختصة مثل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وغيرها؟!

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية