العدد 4873
الأربعاء 16 فبراير 2022
"الجندبُ والنملة"
الأربعاء 16 فبراير 2022

حين كانت النملةُ لا تكِّلُ ولا تمَلُ من العمل طوال الصيف، كان الجندبُ يتمايلُ جذِلاً على غصنٍ رطيب، عازفاً على أوتارِ الراحةِ والكسل، وعلى الرغم من تحذير النملة في ذهابها وإيابها للجندب الكسول، إلا أنه لم يأخذْ تحذيرها هذا على محمل الجِد، جاءَ الشتاءُ بعواصفه القارسة ليهُبَّ على قيثارته الهادئة ويدفعَ به نحو بابِ النملة طالباً الطعام والمأوى.. قدمتْ له النملةُ من طعامها الذي دأَبتْ على جمعهِ طيلةَ القيض وأسكنتهُ منزلها الدافئ ريثما ينتهي الشتاء، فقد استوعبَ الدرس أخيراً، فهل استوعبناهُ كجندُبنا؟
المتدثرونَ تحت أرديةِ الخمول، لكم أحكي هذه الحكاية، فلا تظنوا أنَّ "نملاً" مثل نملتنا ستدقون أبوابَهم لإيوائكم حين يفوتُ الأوانُ وتضرِبَكم عواصفُ الأقدار التي لم تضعوا حساباً لها؛ فآثرتم الراحة على التخطيطِ والعمل والإنتاج. الشريحة العظمى من الكسالى والاتكاليين هم شبابٌ في مقتبل العمر، من يحسبُ أنه سيعيشُ أبداً، ولا يعير اهتماما للزمن؛ فيسوفُ ويؤجل لوقت غير معلوم. في الدراسةِ يؤجلُ القيام بالواجبات أو لا يؤديها أصلاً، ويفعل ذلك أيضاً في العمل، حيث يؤجلُ أعماله ويراكمها ويضربُ بمصالح الخلقِ عرض الحائط.

هؤلاء الكُسالى يفضلونَ الجلوس بالمنزل واللعب والتسلية والخروجِ والسفر على الجد والعمل، وهم لا يقومون بالتخطيطِ لمستقبلهم ولا يجدونَ ضرورة في وضعِ جدول أعمالٍ يسيرون عليه في حياتهم. "لا داعي لتقديم طلبٍ سكني، فالوقتُ مازال مبكراً، أو لا أريدُ التقدم بهذا الطلبِ أصلاً، سأشتري بيتاً.. لن أوفرَ المالَ لأحرمَ نفسي، وسأنفقُ أموالي كما أشاءُ لأتمتع بحياتي".. هكذا يفكرون، ويصمُونَ آذانهم عن نصائحِ من حولهم الذين ينصحونهم بما ينفعهم.
الكسلُ آفةُ العصر وهو جرثومة قاتلة، وداء مهلك، يعوق نهضةَ الأمم والشعوب، ويمنع الأفراد من العمل الجاد والفكر المثمر والسعي النافع، والبذل الحميد. ليس كسلُ البدن وحدهُ الذي نتحدثُ عنه، ذلك الكسل المؤدي إلى التثاقل عن الطاعات وأداء العبادات على الوجه المشروع، وتأخرِ الأفراد والأمم والشعوب في مجالات النشاط المختلفة التي تنهض بتاريخها وحضارتها وتُشيِّدُ عمرانها وتصونُ حياضها، بل كذلك كسلُ العقل حين لا يتمُ إعماله في التفكرِ والتدبر والنظرِ في آلاء الله من ناحية، وفي تركه النظر إلى ما يصلح شأن الإنسان ومن حوله في الدنيا التي فيها معاشه من ناحية أخرى، وما تأخرت الأمم إلا نتيجة كسلِ أصحاب العقول فيها وقلة اكتراثهم بالقوةِ الإبداعية المفكرة التي أودعها اللهُ فيهم، حتى لم يعد لهم من هدف ولا بينهم وبين الدابةِ اختلاف.
"من تعطل وتبطَّلَ انسلخَ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار من جنسِ الموتى".

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية