العدد 4877
الأحد 20 فبراير 2022
مؤسسات التعليم العالي والأجندات السياسية
الأحد 20 فبراير 2022

بعض أو ربما الكثير من الجامعات المرموقة في مختلف دول العالم تهدف بجانب رسالتها التعليمية والأكاديمية إلى خدمة مصالح وأجندات المنظمات أو الدول التي تنتمي إليها، حتى لو اقتضى ذلك خلق وتخريج كوادر تؤمن بقيم ومبادئ متناقضة لتلك التي تسعى تلك الجامعات إلى ترويجها وتسويقها؛ مادام ذلك سيؤدي في النهاية إلى خدمة مصالح الجهات أو الدول التي تموّلها وترعاها.
وفي منطقتنا فإن الجامعة الأميركية في بيروت قد تبرز كواحدة من بين هذه الجامعات المرموقة، فقد أنشأتها البعثة التبشيرية الأميركية، وأسسها المبشر الأميركي الدكتور دانيال بليس في العام 1866م تحت اسم “الكلية البروتستانتية السورية”، وأصبح أول رؤسائها، وكانت خاضعة لإدارة وتوجيه مجلس الكنائس العالمي في أميركا.
وبعد ربع قرن تقريبًا (في العام 1890) وصل المبشران الأميركيان صمويل زويمر وجيمس كانتين إلى البحرين لبدء الخطوات الأولى لتأسيس مستشفى ومدرسة الإرسالية الأميركية.
وكما فشلت البعثة الإرسالية في مهمتها التبشيرية في البحرين، فقد فشلت الكلية البروتستانتية السورية في مهمتها التبشيرية في لبنان، فتقرر في العام 1920 التخلي عن مهمة التبشير، وتغيير اسمها إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وأصبح لها مهام أخرى؛ على رأسها تأدية الرسالة التعليمية والأكاديمية على أحسن وجه إلى أن أصبحت في صدارة أفضل الجامعات في العالم العربي.
وتعد الجامعة الأميركية في بيروت، بحكم طبيعتها، أحد أمنع حصون الفكر اليميني الرأسمالي في منطقتنا، إلا أنها خرَّجت وأنتجت أبرز قيادات اليسار العربي من شيوعيين وبعثيين وقوميين وغيرهم، وقبل أيام بعث لي الصديق العزيز الصحافي الكويتي فؤاد الهاشم رسالة قصيرة عن طريق منصة الـ “واتساب” جاء فيها: “شاهدت لقاءً تلفزيونيًّا قديمًا مع جورج حبش، فتذكرت مقالًا كتبته قبل 30 سنة طرحت فيه سؤالًا لم يُجب عنه أحد حتى يومنا: لماذا تحولت الجامعة “الإمبريالية الصهيونية الرأسمالية الشيطانية الكبرى” فى بيروت إلى رحم وُلد منه كل قيادات وأعضاء اليسار العربي من شيوعيين ماركسيين وماويين وبعثيين وقوميين ليعادوا أمهم؟”.
نحن في البحرين مدينون للجامعة الأميركية في بيروت التي خرَّجت لنا خيرة شبابنا وشاباتنا الذين أكملوا فيها تعليمهم الأكاديمي في مختلف التخصصات، وعادوا للوطن ليضطلعوا بأكبر المهام، ويتبوأوا بكل كفاءة واقتدار أعلى المراكز القيادية والتنفيذية، ويأتي في مقدمتهم مفكر البحرين وأديبها الدكتور محمد جابر الأنصاري.
وفي الجانب الآخر، وعلى الضفة الشيوعية الاشتراكية، وفي العاصمة موسكو أسس الاتحاد السوفيتي ضمن رؤية سياسية واضحة “جامعة الصداقة” في العام 1960. وفي العام التالي قررت القيادة السوفياتية إطلاق اسم “باتريس لومومبا” رئيس وزراء الكونغو على تلك الجامعة، فتغير اسمها إلى “جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب”، وذلك تكريمًا من الاتحاد السوفيتي لباترييس الذي يعدّه معشر الشيوعيين والاشتراكيين واليساريين آنذاك “رمزًا عالميًّا من رموز النضال ضد الامبريالية”، وقد شنّت دول المعسكر الغربي حملات ضد الجامعة على أساس أنها مؤسسة إيديولوجية على شكل جامعة مكرّسة لتدريس المبادئ والأفكار الشيوعية الماركسية، وأن جميع خريجيها سيكونون عملاء لجهاز الاستخبارات السوفيتية في بلدانهم أو حيث يعملون. وكأي شيء آخر في الاتحاد السوفيتي فإن هذه الجامعة أيضًا ومن دون أدنى شك كانت تعمل وتدار تحت إشراف جهاز استخبارات الاتحاد السوفيتي السابق “الكي جي بي” ليس لتحقيق أهداف إنسانية بل لإنجاز مهام سياسية بتكبيل الدارسين فيها من دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية بالمعروف وكسبهم كمؤيدين ومتعاطفين مع الاتحاد السوفيتي. 
وقد نجحت الجامعة في تخريج أكثر من 70 ألف شخص من 150 بلدًا، وصل عدد كبير منهم إلى مراكز اتخاذ القرار في دول رأسمالية ومناهضة للمنهج الشيوعي، من بينهم عدد من القادة السياسيين الدينيين في جمهورية إيران الإسلامية.
وفي الحقيقة، فإن جيل اليوم وشبابه لم يسمعوا عن باتريس لومومبا المذكور، ولكن الأجيال التي عاصرته مثل جيلنا قد تتذكر ذلك الاسم في أحسن الأحوال، إن باتريس لومومبا هذا كان مناضلًا كونغوليًّا، شيوعيًّا اشتراكيًّا في ميوله وتوجهاته، نجح في إجبار المستعمر البلجيكي على الانسحاب من الكونغو ومنحها الاستقلال بعد استعمار دام 80 عامًا، وباتفاق مع الحكومة البلجيكية أجريت انتخابات نيابية في مايو 1960 فاز فيها حزب لومومبا بأغلبية نسبية، عُيّن على إثرها رئيسًا للوزراء، وحدد يوم 30 يونيو 1960 للاحتفال بيوم الاستقلال، وحضر الحفل الملك بودوان الأول ملك بلجيكا ورئيس وزرائه وعدد من الشخصيات الأوروبية والزعماء الأفارقة، وقد منع لومومبا رئيس الوزراء البلجيكي من إلقاء كلمة في الحفل بحجة أن اسمه لم يكن واردًا في قائمة المتكلمين، فقام ملك بلجيكا وألقى كلمة حذر فيها الوطنيين الكونغوليين “من اتخاذ إجراءات متسرعة أو غير مدروسة تؤدي إلى تدمير المدنية التي خلفها البلجيكيون لكم” حسب قوله، فأغضب ذلك لومومبا، فنهض من مقعده واتجه إلى المنصة وقاطع الملك وألقى خطابًا مطوّلًا أطلق عليه خطاب “الدموع والدم والنار” تحدث فيه عن معاناة الكونغوليين وما تعرّضوا له من ظلم واضطهاد على أيدي المستعمرين البلجيكيين.
غادر الملك والمدعوون الحفل مستائين من تصرف لومومبا الذي أدى إلى حدوث أزمة في العلاقات البلجيكية الكونغولية، وأدى إلى اجتياح الجيش البلجيكي الأراضي الكونغولية بعد الحادثة بثلاثة أيام، وإلى انشقاق بين الزعماء الكونغوليين، وإعلان انفصال إقليم كاتانغا في دولة مستقلة، وصولًا إلى إعدام لومومبا رميًا بالرصاص؛ ولم تنعم الكونغو بالاستقرار منذ ذلك اليوم.
وبعد خمس سنوات من تلك الأحداث، وعندما وجدني أحد أصدقائي المحبين أكدح في العمل بعد إنهاء دراستي الثانوية في العام 1965 لتوفير قدر من المال يُمكّنني من تحقيق حلمي في التحصيل الجامعي، نصحني واقترح عليّ الاستفادة من برنامج المنح التي تقدمها الحكومة السوفيتية للمحتاجين أو الراغبين من شعوب دول العالم الثالث في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية يتم بموجبها توفير منح للدراسة مجانًا في “جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب” في العاصمة موسكو، وتشمل المنحة العلاوات والإقامة المريحة والسكن اللائق، ما عليك إلا أن تشتري تذكرة سفر وتتوجه إلى سفارة الاتحاد السوفيتي في بغداد أو دمشق أو القاهرة، والسفارة ستتكفل بإتمام كل الإجراءات في وقت قياسي.
كان الاقتراح منطقيًّا من صديق مخلص ودود، والعرض مغريًا سخيًّا سيوفر عليّ ثلاث سنوات ثمينة من عمري كنت مضطرًا لقضائها لتوفير الحد الأدنى أو قدر من المال لتغطية المصروفات التي سأحتاجها لإتمام دراستي الجامعية، لكنني التفتُّ عن الاقتراح وشكرتُ صديقي، وانتهى بي الأمر بعد ثلاث سنوات إلى الدراسة في الهند على نفقتي الخاصة في المدرسة الفكرية للمهاتما غاندي السلمية اللاعنفية بدلًا من المدرسة الفكرية لباتريس لومومبا الثورية النضالية.
واليوم من يتذكر باتريس لومومبا ومن ينسى المهاتما غاندي؟ حتى جامعة الصداقة ذاتها وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي حذفت اسمه فأصبح اسمها الآن “جامعة الصداقة بين الشعوب”. كما اختفى الكرم الروسي وتوقفت المنح المجانية، ولله في خلقه شؤون.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية