العدد 4882
الجمعة 25 فبراير 2022
نحنُ أمةٌ لا تتكلمُ لغتها!
الجمعة 25 فبراير 2022

حريصونَ على إدخال أبنائنا مدارسَ خاصة منذ نعومة أظفارهم كي يتقنوا اللغةَ الإنجليزية.. مستميتونَ في إلحاقهم ببرامج ودوراتٍ يتعلمون فيها أساسيات اللغات الأخرى ومهاراتها، لكننا نصطدمُ بحقيقةٍ مؤلمة جُرحُها الإهمال للغةِ الأم وقيحُها التعثرُ والتخلف. هل استبدلنا لغتنا باللغات الأخرى، وبتْنا نفخرُ بأنفسنا وأبنائنا لأننا نُتقنُها، ولا نتقنُ لغتنا العربية، ونتحدثُ بلغةٍ هجينة اختلطت فيها أمشاجُ الكلماتِ والجمل، بين لغتِنا وأخرى؟ لغتُنا هويتنا، فهل نطأُ هويتَنا بأقدامنا كأنَّ زمنها قد اِنتهى وأوانها قد أفلْ؟

تعرضتْ اللغة العربية ولا تزال لمختلف معاولِ الهدم، وأُحيطتْ بها دسائسُ الراصدين لها لأنها قِوامُ فكرٍ وثقافةٍ وعلاقة تاريخية، وليست لغة كلامٍ وكفى. وهكذا.. تظاهر على هذه اللغة أقوامٌ ينتمون الى أممٍ شتى، وأعانهم عليها أولئك الذين ينتسبون إليها ويتكلمون بلسانها، والكلُ ينتقصُ من مكانتها، ويشككُ في قدرتها، ويودُ لو ظلت في محبسها، أو أن تقبعَ في دارها، لا تتجاوز علوم الشريعة، ولا تتخطى دائرةَ دروس اللغة في معاهدِ التعليم المتخصصة.

قد يقولُ البعضُ إننا لا نتحدثُ اللغةَ العربية الفصحى أصلاً، فلِمَ نُجبرُ على تعلُمها إذاً ونحن لا نستخدمها خلال واقعنا المعاش، بينما نستخدم اللغةَ الإنجليزية كل يوم في المدرسة والعمل والشارع وأثناء التنقلِ والسفر. المتقن للغته الأم هو حتماً قادرٌ على إتقانِ اللغات الأخرى بطبيعة الحال، وإنَّ عدمَ التمكن من لغةِ المنشأ يخلقُ العقبات أمامَ تعلمِ اللغة الأخرى حسب النظريات. التمكنُ من صياغة الجمل والمعرفة الدقيقة بأصول اللغةِ والنحو للغةِ الأم يُعينُ على تعلمِ اللغات المختلفة وفقَ نظريات التعلم من ضمنها نظرية الترجمة النحوية "Grammar Translation Method". كما أن إخضاعَ الطفل لتعلم لغةٍ ثانية لا يستقيمُ قبل تعلمهِ وإتقانه للغة العربية لغةَ الوالدين، ولا يحدثُ هذا التعلم حقاً إلا عند سنِ الثالثةَ عشرة، حيث يُميِّزُ الطفلُ بين اللغتين، وهنا لابد أنْ نعيَ أنَّ تعلمَ اللغة بصورة عامة لدى الطفل يمرُ بمراحلَ ممنهجة، تبدأُ بثلاثِ سنواتٍ من الاستماعِ والملاحظة، ينطلقُ بعدها في الكلام بشكل مُتقنٍ تماماً كالكبار. ثم وبعد ذلك قد يتعلمُ لغةً أخرى بذات الطريقة، لذلك فإن التكالبَ على تعليمِ الأبناء في المدارس الخاصة لإتقان اللغة، بالرغم من ضيقِ الحال، لا يجدي نفعاً ما لم تكن تلك المدارسُ مهتمةً باللغة الأم أولاً وأخيراً، وإنَّ إدخالَ اللغةِ العربية في مناهجها بشكلٍ أوسع واجبٌ قومي ووطني وتربوي تجاه الأجيالِ الحاضرة والتي تعقبُها في المستقبل.

إنَّ الوالدين الذين يستميتونَ في تعليم اللغة الأخرى لأبنائهم، هم غالباً ما يكونون من أولئك الذين لا يجيدونَ تلك اللغة، ويشعرون بالنقص، فتجدهم يسعونَ بجهدٍ لتعليمها أبناءهم كي لا يعانوا من النقصِ ذاته، ولكي يكونوا جديرين بالعيشِ في هذا العالم الذي يتطلب منهم فهمَ اللغةِ الأخرى المعتمدة دولياً، لكنهم ولعدم تمكنهم من اللغة التي يتعلمها أبناؤهم يواجهون صعوبةً في تدريسهم ويجهلونَ مواضعَ النقصِ في جدارةِ بعض المعلمين في تلك المدارس، الذين يرتكبون بعض الأخطاءِ اللفظيةِ بسبب لغتهم هم الأصلية أثناء تعليمها، فيكتسبَها الأبناءُ على أنها من ثوابت اللغةِ التي يتعلمونها.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية